✦ قصة حقيقية
حكاية المؤسِّس — الجزء الأول
رواية قصيرة وحقيقية — بقلم الفنان نفسه.
❦ النهاية
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
كُتب هذا الكتاب ونُشر هنا — وكتابك يمكنه ذلك أيضًا.
انشر كتابك أنتخيوطُ اللجوءِ الخفيّة
## الخيوطُ لا تكذبُ أبداً
حين كانت بيبي فاطمة تُدير المكّوكاتِ بين أصابعِها المتعَبةِ الراسخة، في عتمةِ سَحَرِ النجفِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، قبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، كانت تنسجُ سَدَى قدَرِنا ولُحمتَه. لم تكن حركةُ تلك المغازلِ التقليديّةِ الموزونةُ مجرّدَ سبيلٍ وحيدٍ لكسبِ رزقِ امرأةٍ وحيدةٍ في قلبِ العواصفِ السياسيّةِ والمذهبيّةِ لعراقٍ يختنقُ تحت البعث؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً، وأن تموت، وأن تحيا، وأن يخرجَ منها في النهايةِ جيلٌ جديدٌ في ترابِ الغربة، ينجو من بين اللهبِ ويُزهر.
مضت عقود. واليومَ، في عامِ ٢٠٢٦، أجلسُ أنا محسن في بيتٍ هادئٍ على ضفافِ المحيطِ في سيدني. أُحدّقُ في السُّلاميةِ الأولى من سبّابةِ يدي اليمنى؛ حيث انحفرَ على جلدي أثرُ خطٍّ عميقٍ خشِنٍ أبيض، كأنّه حدٌّ من حدودِ الأزمنةِ القديمة. هذا الخطُّ ذكرى مفتاحٍ مشؤومٍ ثقيلٍ رديءِ الصنع؛ مفتاحٌ أخرجتُه من جيبي في الثالثةَ عشرةَ من عمري، في عصرٍ لاهبٍ في حيِّ غُلستان، وناولتُه أمّي مرضيّة. مفتاحٌ كان من المفترضِ أن يفتحَ قفلَ بابِ بيتِنا، لكنّه فتحَ من غيرِ قصدٍ قفلَ مأساةٍ أبديّة.
لم أكتب هذا الكتابَ بوصفِه مذكّراتٍ بسيطةً ولا مجرّدَ عبورٍ ماديٍّ في الجغرافيا، بل بوصفِه نُصُباً مقدّساً يُبقي ذاكرةَ عائلتي حيّة. كتابةُ هذه الصفحاتِ هي بالنسبةِ إليَّ وضعُ حدٍّ لسنواتٍ من العلّةِ النفسيّةِ والعزلةِ وحِملِ تأنيبِ الضميرِ القاصمِ الذي كبَّلَ كلَّ أوصالي منذ مراهقتي. كتبتُ هذا الكتابَ لأُصالحَ ماضيَّ الجريح، ولأقولَ للعالمِ إنّ خلفَ كلِّ إحصاءٍ باردٍ عن اللجوء، وخلفَ كلِّ خبرٍ عن قواربَ تائهةٍ في اتّساعِ المحيط، يقفُ بشرٌ حقيقيّون بقلوبٍ تنبض، وأوجاعٍ تُحرقُ الروح، وأملٍ بلا جدران.
هذه ملحمةُ عائلتي؛ حكايةٌ من جذورِ النجفِ إلى مسقطِ رأسي في أصفهان، ومن برزخِ الانتظارِ إلى شاطئِ الخلاص.
[[break]]
> «ملاحظةُ المؤلّف حول الأسماءِ والتفاصيل: في هذا الكتاب، حفاظاً على الحقوقِ المعنويّةِ والخصوصيّةِ ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّةِ للأشخاص، جرى تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذُكِرَت بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ لحياتِنا.»
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلمِ محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو صوتيّةٍ أو ترجمةٍ من دونِ إذنٍ خطّيٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، ويستوجبُ الملاحقةَ القانونيّة.
حين كانت بيبي فاطمة تُدير المكّوكاتِ بين أصابعِها المتعَبةِ الراسخة، في عتمةِ سَحَرِ النجفِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، قبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، كانت تنسجُ سَدَى قدَرِنا ولُحمتَه. لم تكن حركةُ تلك المغازلِ التقليديّةِ الموزونةُ مجرّدَ سبيلٍ وحيدٍ لكسبِ رزقِ امرأةٍ وحيدةٍ في قلبِ العواصفِ السياسيّةِ والمذهبيّةِ لعراقٍ يختنقُ تحت البعث؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً، وأن تموت، وأن تحيا، وأن يخرجَ منها في النهايةِ جيلٌ جديدٌ في ترابِ الغربة، ينجو من بين اللهبِ ويُزهر.
مضت عقود. واليومَ، في عامِ ٢٠٢٦، أجلسُ أنا محسن في بيتٍ هادئٍ على ضفافِ المحيطِ في سيدني. أُحدّقُ في السُّلاميةِ الأولى من سبّابةِ يدي اليمنى؛ حيث انحفرَ على جلدي أثرُ خطٍّ عميقٍ خشِنٍ أبيض، كأنّه حدٌّ من حدودِ الأزمنةِ القديمة. هذا الخطُّ ذكرى مفتاحٍ مشؤومٍ ثقيلٍ رديءِ الصنع؛ مفتاحٌ أخرجتُه من جيبي في الثالثةَ عشرةَ من عمري، في عصرٍ لاهبٍ في حيِّ غُلستان، وناولتُه أمّي مرضيّة. مفتاحٌ كان من المفترضِ أن يفتحَ قفلَ بابِ بيتِنا، لكنّه فتحَ من غيرِ قصدٍ قفلَ مأساةٍ أبديّة.
لم أكتب هذا الكتابَ بوصفِه مذكّراتٍ بسيطةً ولا مجرّدَ عبورٍ ماديٍّ في الجغرافيا، بل بوصفِه نُصُباً مقدّساً يُبقي ذاكرةَ عائلتي حيّة. كتابةُ هذه الصفحاتِ هي بالنسبةِ إليَّ وضعُ حدٍّ لسنواتٍ من العلّةِ النفسيّةِ والعزلةِ وحِملِ تأنيبِ الضميرِ القاصمِ الذي كبَّلَ كلَّ أوصالي منذ مراهقتي. كتبتُ هذا الكتابَ لأُصالحَ ماضيَّ الجريح، ولأقولَ للعالمِ إنّ خلفَ كلِّ إحصاءٍ باردٍ عن اللجوء، وخلفَ كلِّ خبرٍ عن قواربَ تائهةٍ في اتّساعِ المحيط، يقفُ بشرٌ حقيقيّون بقلوبٍ تنبض، وأوجاعٍ تُحرقُ الروح، وأملٍ بلا جدران.
هذه ملحمةُ عائلتي؛ حكايةٌ من جذورِ النجفِ إلى مسقطِ رأسي في أصفهان، ومن برزخِ الانتظارِ إلى شاطئِ الخلاص.
[[break]]
> «ملاحظةُ المؤلّف حول الأسماءِ والتفاصيل: في هذا الكتاب، حفاظاً على الحقوقِ المعنويّةِ والخصوصيّةِ ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّةِ للأشخاص، جرى تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذُكِرَت بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ لحياتِنا.»
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلمِ محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو صوتيّةٍ أو ترجمةٍ من دونِ إذنٍ خطّيٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، ويستوجبُ الملاحقةَ القانونيّة.
مذاقُ الطائراتِ الورقيّةِ العَفِصُ والمفاتيحُ الحديديّة
## القسمُ الأوّل: المفتاحُ الخشِنُ وظِلُّ جبلِ الله أكبر
الركضُ بقدمَين حافيتَين على إسفلتِ حيِّ غُلستان الملتهبِ الحارق، ومذاقُ الغبارِ العَفِصُ المتصاعدُ من عجلاتِ الدرّاجاتِ المهتزّة، وأصواتُ الضحكاتِ العاليةِ التي كانت تتردّدُ في الأزقّةِ الترابيّة؛ هذا كان نصيبي كلَّه من مُلكِ الدنيا في الثالثةَ عشرة.
كانت لنا إمبراطوريّةٌ صغيرة. جماعتُنا — أنا وأعزُّ أصدقاءِ سنواتِ المتوسّطة — كان بيننا عهدٌ غيرُ مكتوبٍ لكنّه من حديد. تعاهدنا على ألّا يقدرَ شيءٌ، ولا حتّى عقوباتُ ناظرِ المدرسةِ القاسيةُ وواجباتُ الليلِ التي لا تنتهي، على قطعِ سلسلةِ صداقتِنا. في أصائلِ الربيع، حين كان جرسُ الحصّةِ الأخيرةِ يُقرَعُ بإيقاعٍ كسول، كنّا ننسابُ إلى الزقاقِ أحراراً بلا حَذَر، كطيورٍ فرّت من قفصٍ ضيّق. كانت ألعابُنا المحمومةُ على الترابِ الناعمِ عند أطرافِ الحيِّ ملاذي الآمن؛ ركناً دافئاً أستطيعُ فيه، ولو لساعاتٍ قليلة، أن أنسى الثِّقَلَ الخفيَّ لجوِّ بيتِنا.
لكن مهما ابتعدتُ عن البيت، كانت يدي اليمنى تنزلقُ من غيرِ وعيٍ نحوَ جيبِ سروالي. أدفعُ سبّابتي إلى الداخلِ وأُمرِّرُها على الحوافِّ الحادّةِ الخشِنةِ الرديئةِ الصنعِ لذلك المفتاحِ المشؤوم؛ المفتاحِ الذي أعطانيه أبي «ظاهر» لأفتحَ به بابَ بيتِنا. كان معدنُه الباردُ القاسي كأنّ بينه وبين أصابعي الصغيرةِ عداوةً قديمة؛ فكلّما حاولتُ بكلِّ قوّةِ الثالثةَ عشرةَ أن أُدير القفلَ المتصلّبَ الصدِئَ العنيد، انزلقَ المفتاحُ من يدي وجرحَ السُّلاميةَ العليا من سبّابتي — أثراً أحمرَ لاذعاً كأنّه يريدُ أن يُذكِّرَني بأنّ الدخولَ إلى ذلك العشِّ مقرونٌ دائماً بالجرحِ والألم.
كان الغدُ جمعةً، وفكرةُ الجمعةِ كانت دائماً تذوبُ في قلوبِنا كالسكّر. لم تكن الجمعةُ في عائلتِنا يوماً عاديّاً؛ بل كانت سرديّةً كبرى عن الاجتماعِ وعن الفرارِ من القلقِ الذي لا ينتهي. كان الأهلُ جميعاً — من العمّةِ رؤيا وزوجِها حميد إلى ولدَيهما ليلى وحامد، والعمّةِ خديجةَ التي لا تعرفُ التعب، والعمِّ نادر — يجتمعون في بيتِ بيبي فاطمة الكبيرِ المملوءِ بأشجارِ الرمّان. كان بيتُ بيبي في تلك الأيّامِ مرفأَ العائلةِ كلِّها وملاذَها الآمن.
كنتُ أنا وأختايَ فائزة ومريم نُخطّطُ ليومِ الجمعةِ قبلَه بأيّام. صورةُ ذلك الفناءِ المزدحم، ورائحةُ مرقِ العدسِ والخبزِ الساخن، وأصواتُ المناكفاتِ الرجاليّة، وصخبُنا نحن الأطفالَ أمام التلفازِ ونحن نتابعُ مسلسلاتِ نهايةِ الأسبوع — كانت أجملَ بطاقةٍ فردوسيّةٍ من طفولتي.
وأجملُ من ذلك كلِّه كان النظرُ إلى أبي ظاهر. أبي، الرجلُ المتأمِّلُ الهادئُ المُطرِق، الذي كان يعملُ الأسبوعَ كلَّه في الصيدليّةِ ويحملُ على كتفَيه بصمتٍ ثِقَلَ آلامِ الهجرةِ القسريّةِ من النجف، كان في هذه اللقاءاتِ كأنّه يعودُ إلى الحياةِ من جديدٍ وتدبُّ فيه الروح. وأحياناً بعد الظهر، كان يأخذُ مع سينا والعمِّ نادرٍ كرةَ الطائرة، فنمضي جميعاً إلى أرضٍ ترابيّةٍ واسعةٍ في ظلِّ الجبلِ المهيبِ المعروفِ باسم «الله أكبر».
كان للوقوفِ في سفحِ ذلك الجبلِ العظيم، الذي انحفرَ على جبينِه الثقيلِ اسمُ اللهِ الجليل، إحساسٌ غريب. كانت ريحُ الجبلِ الباردةُ الجامحةُ تهبُّ فتُحرّكُ شعرَ أبي. كنتُ أجلسُ على ربوةٍ صخريّةٍ وأنظرُ إليه بعينَين مترعتَين بالإعجابِ والحبّ، كيف يلعبُ مع الآخرين وسطَ غبارِ الأرض، وكيف تستقرُّ على وجهِه ضحكاتٌ عاليةٌ صافية. في تلك اللحظات، تحت ظلِّ جبلِ الله أكبر، كنتُ أشعرُ أنّ أبي أقوى رجلٍ على الأرض، وأنّه ما من عاصفةٍ في الدنيا تستطيعُ أن تهزَّ سقفَ بيتِنا…
لكن في ذلك العصرِ من أيّارَ ١٩٩٥، حين بلغتُ زقاقَنا في حيِّ غُلستان بيدٍ مرتعشةٍ وإصبعٍ ما زالت تحترقُ من ضغطِ المفتاح، كان الهواءُ مختلفاً. لم أعد أسمعُ ضحكاتِ أصدقائي. صعدتُ درجَ الطابقِ الثاني؛ حيث صالونُ أمّي مرضيّةَ الصغير. كانت رائحةُ صبغةِ الشعرِ والموادِّ الكيميائيّةِ الكثيفةُ تملأُ المكان. كانت أمّي مرضيّة وبيبي فاطمة قد عادتا للتوِّ من رحلةِ الأسبوعَين إلى سوريّة. جاءت أمّي لاستقبالي بابتسامتِها الباردةِ نفسِها وبعينَين جرى فيهما أثرُ بكاءٍ مكتوم. كانت هدايا سوريّةَ مرصوفةً على الطاولة، لكنّ بيتَنا، على أعتابِ حلولِ الجمعة، كان قد غرِقَ في صمتٍ ثقيلٍ خانق…
الركضُ بقدمَين حافيتَين على إسفلتِ حيِّ غُلستان الملتهبِ الحارق، ومذاقُ الغبارِ العَفِصُ المتصاعدُ من عجلاتِ الدرّاجاتِ المهتزّة، وأصواتُ الضحكاتِ العاليةِ التي كانت تتردّدُ في الأزقّةِ الترابيّة؛ هذا كان نصيبي كلَّه من مُلكِ الدنيا في الثالثةَ عشرة.
كانت لنا إمبراطوريّةٌ صغيرة. جماعتُنا — أنا وأعزُّ أصدقاءِ سنواتِ المتوسّطة — كان بيننا عهدٌ غيرُ مكتوبٍ لكنّه من حديد. تعاهدنا على ألّا يقدرَ شيءٌ، ولا حتّى عقوباتُ ناظرِ المدرسةِ القاسيةُ وواجباتُ الليلِ التي لا تنتهي، على قطعِ سلسلةِ صداقتِنا. في أصائلِ الربيع، حين كان جرسُ الحصّةِ الأخيرةِ يُقرَعُ بإيقاعٍ كسول، كنّا ننسابُ إلى الزقاقِ أحراراً بلا حَذَر، كطيورٍ فرّت من قفصٍ ضيّق. كانت ألعابُنا المحمومةُ على الترابِ الناعمِ عند أطرافِ الحيِّ ملاذي الآمن؛ ركناً دافئاً أستطيعُ فيه، ولو لساعاتٍ قليلة، أن أنسى الثِّقَلَ الخفيَّ لجوِّ بيتِنا.
لكن مهما ابتعدتُ عن البيت، كانت يدي اليمنى تنزلقُ من غيرِ وعيٍ نحوَ جيبِ سروالي. أدفعُ سبّابتي إلى الداخلِ وأُمرِّرُها على الحوافِّ الحادّةِ الخشِنةِ الرديئةِ الصنعِ لذلك المفتاحِ المشؤوم؛ المفتاحِ الذي أعطانيه أبي «ظاهر» لأفتحَ به بابَ بيتِنا. كان معدنُه الباردُ القاسي كأنّ بينه وبين أصابعي الصغيرةِ عداوةً قديمة؛ فكلّما حاولتُ بكلِّ قوّةِ الثالثةَ عشرةَ أن أُدير القفلَ المتصلّبَ الصدِئَ العنيد، انزلقَ المفتاحُ من يدي وجرحَ السُّلاميةَ العليا من سبّابتي — أثراً أحمرَ لاذعاً كأنّه يريدُ أن يُذكِّرَني بأنّ الدخولَ إلى ذلك العشِّ مقرونٌ دائماً بالجرحِ والألم.
كان الغدُ جمعةً، وفكرةُ الجمعةِ كانت دائماً تذوبُ في قلوبِنا كالسكّر. لم تكن الجمعةُ في عائلتِنا يوماً عاديّاً؛ بل كانت سرديّةً كبرى عن الاجتماعِ وعن الفرارِ من القلقِ الذي لا ينتهي. كان الأهلُ جميعاً — من العمّةِ رؤيا وزوجِها حميد إلى ولدَيهما ليلى وحامد، والعمّةِ خديجةَ التي لا تعرفُ التعب، والعمِّ نادر — يجتمعون في بيتِ بيبي فاطمة الكبيرِ المملوءِ بأشجارِ الرمّان. كان بيتُ بيبي في تلك الأيّامِ مرفأَ العائلةِ كلِّها وملاذَها الآمن.
كنتُ أنا وأختايَ فائزة ومريم نُخطّطُ ليومِ الجمعةِ قبلَه بأيّام. صورةُ ذلك الفناءِ المزدحم، ورائحةُ مرقِ العدسِ والخبزِ الساخن، وأصواتُ المناكفاتِ الرجاليّة، وصخبُنا نحن الأطفالَ أمام التلفازِ ونحن نتابعُ مسلسلاتِ نهايةِ الأسبوع — كانت أجملَ بطاقةٍ فردوسيّةٍ من طفولتي.
وأجملُ من ذلك كلِّه كان النظرُ إلى أبي ظاهر. أبي، الرجلُ المتأمِّلُ الهادئُ المُطرِق، الذي كان يعملُ الأسبوعَ كلَّه في الصيدليّةِ ويحملُ على كتفَيه بصمتٍ ثِقَلَ آلامِ الهجرةِ القسريّةِ من النجف، كان في هذه اللقاءاتِ كأنّه يعودُ إلى الحياةِ من جديدٍ وتدبُّ فيه الروح. وأحياناً بعد الظهر، كان يأخذُ مع سينا والعمِّ نادرٍ كرةَ الطائرة، فنمضي جميعاً إلى أرضٍ ترابيّةٍ واسعةٍ في ظلِّ الجبلِ المهيبِ المعروفِ باسم «الله أكبر».
كان للوقوفِ في سفحِ ذلك الجبلِ العظيم، الذي انحفرَ على جبينِه الثقيلِ اسمُ اللهِ الجليل، إحساسٌ غريب. كانت ريحُ الجبلِ الباردةُ الجامحةُ تهبُّ فتُحرّكُ شعرَ أبي. كنتُ أجلسُ على ربوةٍ صخريّةٍ وأنظرُ إليه بعينَين مترعتَين بالإعجابِ والحبّ، كيف يلعبُ مع الآخرين وسطَ غبارِ الأرض، وكيف تستقرُّ على وجهِه ضحكاتٌ عاليةٌ صافية. في تلك اللحظات، تحت ظلِّ جبلِ الله أكبر، كنتُ أشعرُ أنّ أبي أقوى رجلٍ على الأرض، وأنّه ما من عاصفةٍ في الدنيا تستطيعُ أن تهزَّ سقفَ بيتِنا…
لكن في ذلك العصرِ من أيّارَ ١٩٩٥، حين بلغتُ زقاقَنا في حيِّ غُلستان بيدٍ مرتعشةٍ وإصبعٍ ما زالت تحترقُ من ضغطِ المفتاح، كان الهواءُ مختلفاً. لم أعد أسمعُ ضحكاتِ أصدقائي. صعدتُ درجَ الطابقِ الثاني؛ حيث صالونُ أمّي مرضيّةَ الصغير. كانت رائحةُ صبغةِ الشعرِ والموادِّ الكيميائيّةِ الكثيفةُ تملأُ المكان. كانت أمّي مرضيّة وبيبي فاطمة قد عادتا للتوِّ من رحلةِ الأسبوعَين إلى سوريّة. جاءت أمّي لاستقبالي بابتسامتِها الباردةِ نفسِها وبعينَين جرى فيهما أثرُ بكاءٍ مكتوم. كانت هدايا سوريّةَ مرصوفةً على الطاولة، لكنّ بيتَنا، على أعتابِ حلولِ الجمعة، كان قد غرِقَ في صمتٍ ثقيلٍ خانق…
## القسمُ الثاني: إمبراطوريّاتُ الشقاوةِ والملائكةُ الصامتة
كانت الجُمَعُ في بيتِ بيبي فاطمة أبعدَ من مجرّدِ لقاءٍ عائليّ؛ كانت أشبهَ بمسرحٍ مزدحمٍ حيٍّ مليءٍ بالمغامرات. وقبل أن تبلغَ الشمسُ وسطَ السماء، كان صوتُ عادمِ درّاجةِ العمِّ جلالٍ القديمةِ من أوّلِ الزقاقِ الترابيِّ يُبشِّرُ بقدومِ ربيعٍ آخرَ إلى فناءِ بيبي.
من بين أعمامي جميعاً، كان للعمِّ جلالٍ مكانةٌ خاصّةٌ في قلبي. رجلٌ هادئٌ إلى أقصى حدّ، صبورٌ رحيم، كأنّ محيطاً من السكينةِ يتموّجُ في عينَيه. كان كهربائيَّ الحيِّ وصاحبَ كلِّ فنّ؛ رجلاً يمنحُ بيوتَ حيِّ غُلستان المظلمةَ نوراً بكمّاشةٍ ومِفكِّ اختبارٍ قديم، وكلُّ جهازٍ كهربائيٍّ محترقٍ كان يعودُ إلى الحياةِ تحت يدَيه المعجزتَين. غير أنّ أعظمَ فنونِ العمِّ جلالٍ لم يكن إصلاحَ التمديداتِ المعقّدة، بل صبرَه الذي لا حدَّ له أمام قسوةِ الحياة.
حين كان العمُّ جلالٌ يدخلُ الفناء، كان أوّلَ ما يفعلُه أن يُنزلَ ابنتَه هانية الصغيرةَ عن مقعدِ الدرّاجةِ الخلفيِّ بذلك الحضنِ الأبويِّ المتين. كانت هانية ملاكَ عائلتِنا الصامت؛ طفلةً بريئةً أصابتها في صغرِها حمّى شديدةٌ لا ترحم. تلك الحمّى المشؤومة، كعاصفةٍ مباغتة، أخذت معها كلَّ قوّةِ الطفلةِ الجسديّةِ وأصابتها بإعاقةٍ بدنيّةٍ كاملةٍ إلى الأبد. ومع ذلك، كان فناءُ بيبي يصفو بوجودِ هانية؛ كان العمُّ جلالٌ يُجلسُها على وسادةٍ طريّةٍ تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة. لم تكن هانية تستطيعُ أن تركضَ أو تهتفَ مثلَنا، لكنّ عينَيها الواسعتَينِ الجميلتَينِ كانتا تلمعانِ وهي تتفرّجُ على ألعابِنا، وكان صوتُ ضحكاتِها البريئةِ أجملَ موسيقى في فناءِ بيبي.
غير أنّ هدوءَ الفناءِ لم يكن يدومُ طويلاً بعد دخولِ الشخصِ التالي: ميلاد!
ميلاد، ابنُ العمِّ جلال، كان أصغرَ منّي بسنةٍ واحدةٍ فقط، وهذا الفارقُ الضئيلُ جعلَ منّا توأمَينِ ملتصقَينِ لا يقبلانِ الفصلَ في العائلة. كان ميلادٌ نورَ العينِ وأكبرَ صداعٍ للكبارِ في الوقتِ نفسِه. منذ اللحظةِ التي تلتقي فيها عينايَ بعينَيه، كانت شرارةُ خطّةٍ جديدةٍ وخرابٍ جديدٍ تُقدَحُ في ذهنَينا. كنّا نعشقُ الشقاوة، وحين نجتمعُ نُشكِّلُ فريقاً ثنائيّاً لا يُلجَم، لا يقوى عليه أحدٌ من الكبار.
ومن أحبِّ تسليَاتِنا إلينا كانت السطوُ على حقيبةِ عُدّةِ العمِّ جلال. فبينما كان العمُّ جلالٌ جالساً إلى جوارِ أبي ظاهرٍ على الأريكةِ يشربُ الشاي، كنتُ أنا وميلادٌ نسرقُ بلا ضجيجٍ صندوقَ أدواتِه السحريّ. وبأسلاكِه ومكثّفاتِه ومصابيحِه الصغيرةِ كنّا نصنعُ قنابلَ وهميّةً ونُخبّئُها في زوايا الفناء.
كان يكفي أن تضعَ بيبي فاطمة مغزلَها الموزونَ أرضاً لدقائقَ وتدخلَ المطبخ. وفي لمحِ البصرِ كنتُ أنا وميلادٌ نُحوِّلُ دولابَ نسجِها إلى رافعةٍ حربيّة، أو نعقدُ خيوطَ مكّوكاتِها في أشجارِ الفناءِ كلِّها لنصنعَ — زعموا — كمائنَ متفجّرةً للآخرين!
صرخاتُ العمّةِ خديجةَ وهي تركضُ خلفَنا بعصا الخياطة، وتذمّرُ العمِّ نادرٍ الذي كان يزعمُ أنّ شقاوتَنا مزّقت قيلولتَه، وضحكاتُ أبي ظاهرٍ المكتومةُ الخفيّةُ وهو يستمتعُ برؤيتِنا أحياءَ نابضين؛ كلُّ ذلك كان سَدَى ولُحمةَ فردوسٍ حُلميٍّ بنيناه في حيِّ غُلستان.
وفي وسطِ هذا الصخب، كان ميلادٌ يدفعُ كتفَه إلى كتفي دائماً، وينظرُ إليَّ بعينَيه الشقيّتَينِ ويقول: «محسن، ما الخطّةُ التالية؟» وكنتُ أنا، بكبرياءِ الأخِ الأكبر، ألمسُ المفتاحَ الحديديَّ في جيبي وأضحك. كنّا إمبراطورَي تلك المملكةِ الصغيرة؛ إمبراطورَينِ في الثالثةَ عشرةَ والثانيةَ عشرة، نظنُّ أنّ هذه الجُمَعَ المزدحمة، وهاتَينِ اليدَينِ الحنونتَينِ للعمِّ جلال، وابتسامةَ هانية الصغيرة، وهذا الشغفَ الذي بلا حدودٍ في صداقتِنا، ستبقى إلى الأبد…
كانت الجُمَعُ في بيتِ بيبي فاطمة أبعدَ من مجرّدِ لقاءٍ عائليّ؛ كانت أشبهَ بمسرحٍ مزدحمٍ حيٍّ مليءٍ بالمغامرات. وقبل أن تبلغَ الشمسُ وسطَ السماء، كان صوتُ عادمِ درّاجةِ العمِّ جلالٍ القديمةِ من أوّلِ الزقاقِ الترابيِّ يُبشِّرُ بقدومِ ربيعٍ آخرَ إلى فناءِ بيبي.
من بين أعمامي جميعاً، كان للعمِّ جلالٍ مكانةٌ خاصّةٌ في قلبي. رجلٌ هادئٌ إلى أقصى حدّ، صبورٌ رحيم، كأنّ محيطاً من السكينةِ يتموّجُ في عينَيه. كان كهربائيَّ الحيِّ وصاحبَ كلِّ فنّ؛ رجلاً يمنحُ بيوتَ حيِّ غُلستان المظلمةَ نوراً بكمّاشةٍ ومِفكِّ اختبارٍ قديم، وكلُّ جهازٍ كهربائيٍّ محترقٍ كان يعودُ إلى الحياةِ تحت يدَيه المعجزتَين. غير أنّ أعظمَ فنونِ العمِّ جلالٍ لم يكن إصلاحَ التمديداتِ المعقّدة، بل صبرَه الذي لا حدَّ له أمام قسوةِ الحياة.
حين كان العمُّ جلالٌ يدخلُ الفناء، كان أوّلَ ما يفعلُه أن يُنزلَ ابنتَه هانية الصغيرةَ عن مقعدِ الدرّاجةِ الخلفيِّ بذلك الحضنِ الأبويِّ المتين. كانت هانية ملاكَ عائلتِنا الصامت؛ طفلةً بريئةً أصابتها في صغرِها حمّى شديدةٌ لا ترحم. تلك الحمّى المشؤومة، كعاصفةٍ مباغتة، أخذت معها كلَّ قوّةِ الطفلةِ الجسديّةِ وأصابتها بإعاقةٍ بدنيّةٍ كاملةٍ إلى الأبد. ومع ذلك، كان فناءُ بيبي يصفو بوجودِ هانية؛ كان العمُّ جلالٌ يُجلسُها على وسادةٍ طريّةٍ تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة. لم تكن هانية تستطيعُ أن تركضَ أو تهتفَ مثلَنا، لكنّ عينَيها الواسعتَينِ الجميلتَينِ كانتا تلمعانِ وهي تتفرّجُ على ألعابِنا، وكان صوتُ ضحكاتِها البريئةِ أجملَ موسيقى في فناءِ بيبي.
غير أنّ هدوءَ الفناءِ لم يكن يدومُ طويلاً بعد دخولِ الشخصِ التالي: ميلاد!
ميلاد، ابنُ العمِّ جلال، كان أصغرَ منّي بسنةٍ واحدةٍ فقط، وهذا الفارقُ الضئيلُ جعلَ منّا توأمَينِ ملتصقَينِ لا يقبلانِ الفصلَ في العائلة. كان ميلادٌ نورَ العينِ وأكبرَ صداعٍ للكبارِ في الوقتِ نفسِه. منذ اللحظةِ التي تلتقي فيها عينايَ بعينَيه، كانت شرارةُ خطّةٍ جديدةٍ وخرابٍ جديدٍ تُقدَحُ في ذهنَينا. كنّا نعشقُ الشقاوة، وحين نجتمعُ نُشكِّلُ فريقاً ثنائيّاً لا يُلجَم، لا يقوى عليه أحدٌ من الكبار.
ومن أحبِّ تسليَاتِنا إلينا كانت السطوُ على حقيبةِ عُدّةِ العمِّ جلال. فبينما كان العمُّ جلالٌ جالساً إلى جوارِ أبي ظاهرٍ على الأريكةِ يشربُ الشاي، كنتُ أنا وميلادٌ نسرقُ بلا ضجيجٍ صندوقَ أدواتِه السحريّ. وبأسلاكِه ومكثّفاتِه ومصابيحِه الصغيرةِ كنّا نصنعُ قنابلَ وهميّةً ونُخبّئُها في زوايا الفناء.
كان يكفي أن تضعَ بيبي فاطمة مغزلَها الموزونَ أرضاً لدقائقَ وتدخلَ المطبخ. وفي لمحِ البصرِ كنتُ أنا وميلادٌ نُحوِّلُ دولابَ نسجِها إلى رافعةٍ حربيّة، أو نعقدُ خيوطَ مكّوكاتِها في أشجارِ الفناءِ كلِّها لنصنعَ — زعموا — كمائنَ متفجّرةً للآخرين!
صرخاتُ العمّةِ خديجةَ وهي تركضُ خلفَنا بعصا الخياطة، وتذمّرُ العمِّ نادرٍ الذي كان يزعمُ أنّ شقاوتَنا مزّقت قيلولتَه، وضحكاتُ أبي ظاهرٍ المكتومةُ الخفيّةُ وهو يستمتعُ برؤيتِنا أحياءَ نابضين؛ كلُّ ذلك كان سَدَى ولُحمةَ فردوسٍ حُلميٍّ بنيناه في حيِّ غُلستان.
وفي وسطِ هذا الصخب، كان ميلادٌ يدفعُ كتفَه إلى كتفي دائماً، وينظرُ إليَّ بعينَيه الشقيّتَينِ ويقول: «محسن، ما الخطّةُ التالية؟» وكنتُ أنا، بكبرياءِ الأخِ الأكبر، ألمسُ المفتاحَ الحديديَّ في جيبي وأضحك. كنّا إمبراطورَي تلك المملكةِ الصغيرة؛ إمبراطورَينِ في الثالثةَ عشرةَ والثانيةَ عشرة، نظنُّ أنّ هذه الجُمَعَ المزدحمة، وهاتَينِ اليدَينِ الحنونتَينِ للعمِّ جلال، وابتسامةَ هانية الصغيرة، وهذا الشغفَ الذي بلا حدودٍ في صداقتِنا، ستبقى إلى الأبد…
## القسمُ الثالث: صمتُ الملاعقِ ومذاقُ الهدايا العَفِص
لكنّ ذلك الفردوسَ البريءَ وتلك الجُمَعَ المفعمةَ بالصخبِ تحت ظلِّ جبلِ الله أكبر، لم تدُم طويلاً. كانت عاصفةٌ خريفيّةٌ في طريقِها، في قلبِ أيّارَ من عامِ ١٩٩٥ بالذات…
كانت رحلةُ الأسبوعَينِ التي قامت بها أمّي مرضيّة وبيبي فاطمة إلى سوريّةَ قد انتهت. أسبوعانِ قضيتُهما أنا وفائزة ومريمُ الصغيرةُ في بيتِ بيبي، في ظلِّ حنانِ العمّةِ خديجةَ الذي لا يبخل. العمّةُ خديجة، التي كانت هي نفسُها قد انفصلَت عن زوجِها قبل سنوات، وتُدير بعملٍ ليليٍّ نهاريٍّ شاقٍّ عجلةَ حياةِ ولدَيها سينا وسارة، كانت لنا في ذَينِك الأسبوعَينِ أمّاً.
حين عادت أمّي، كانت حقيبتُها تفوحُ برائحةٍ غريبة؛ مزيجٌ من عطرِ ياسمينِ دمشق، ورائحةِ الهيلِ والبهاراتِ العربيّة، وغبارٍ ترسّبَ من دروبٍ طويلة. رُصِفَت الهدايا على الطاولة: حلوى سوريّةٌ دسِمةٌ شهيّة، ومسابحُ ملوّنة، ولُعَبٌ صغيرةٌ لمريم. لكن خلفَ ابتسامةِ أمّي كان نورٌ قد انطفأ. تلك المرأةُ التي ركبت الحافلةَ بشوقٍ لزيارةِ الحرم، عادت الآن كطائرٍ مكسورِ الجناح، يفزعُ حتّى من ظلِّ نفسِه.
في اليومِ التالي للعودة، كان وقتَ الغداء. كانت شمسُ أيّارَ تعبرُ زجاجَ الصالونِ في الطابقِ العلويِّ وتقعُ على السفرةِ المبسوطةِ في الصالة. اجتمعنا حولَ السفرةِ جميعاً: أبي ظاهر، وأمّي، وأنا، وفائزة، ومريمُ الصغيرةُ التي كانت — وهي لا تدري بشيء — دلّوعةَ البيتِ الصغرى تُلوّحُ بملعقتِها في يدِها.
كنّا ننتظرُ أن تحدّثَنا أمّي عن رحلتِها بإسهابٍ كعادتِها؛ عن أسواقِ دمشق، وعن الحرم، وعن رفاقِ السفر. لكنّها جلست إلى السفرةِ بوجهٍ قلِقٍ وعينَينِ بلا بريقٍ وابتسامةٍ أشبهَ باعتذارٍ طويل.
بدأ الغداء، لكن لم يصدر عن أحدٍ صوت. ملأ المكانَ صمتٌ خانقٌ ثقيل؛ صمتٌ لم يكن يكسرُه إلّا صوتُ ارتطامِ الملاعقِ الرتيبِ العنيدِ بقاعِ الصحونِ الميلامين. كنتُ أنا وفائزة نُبادلُ النظراتِ المرتجفةَ بدهشةٍ وقلقٍ بين وجهِ أبي المضطربِ وعينَي أمّي المُطرِقتَين. حتّى مريمُ بدَت وكأنّها، على صِغَرِ سنِّها، قد أدركت ثِقَلَ الهواء، فأخذت تأكلُ أهدأَ من أيِّ يوم. كان ثمّةَ شيءٌ ليس على ما يُرام. وكأنّ رحلةَ سوريّة، بدل أن تُضمِّدَ روحَ أمّي المتعَبةَ الكئيبة، قد غرَست في نفسِها جرحاً أعمقَ وأخفى.
ولمّا رُفِعَت السفرةُ وأرادت أمّي أن تحملَ الأواني إلى المطبخ، ناداها أبي بصوتٍ هادئٍ لكنّه حازم، يسري فيه ارتجافٌ من القلق: «مرضيّة… اجلسي. علينا أن نتكلّم.»
طارَ لونُ وجهِ أمّي. توسّلَت بصوتٍ ضعيف: «ظاهر، باللهِ عليك ليس الآن… أجِّلها إلى وقتٍ آخر. الأولادُ هنا…»
لكنّ أبي أصرّ. كان كلاهما غارقاً في أفكارِه المشوّشةِ إلى حدِّ أنّهما نسيا وجودَنا نحن الأطفالَ تماماً. كانت أمّي تضغطُ على حافّةِ السفرةِ بيدِها. احمرَّ جلدُ وجهِها كوجهِ فتاةٍ خجول، وارتعشت قطراتُ الدمعِ في محجرَي عينَيها النحيلتَين.
وضعَ أبي، بهدوئِه المألوفِ لكن بنبرةٍ مترعةٍ بالحبّ، يدَه على يدِها وسأل: «مرضيّة، احكي لي. أريدُ أن أعرفَ ماذا جرى لكِ في تلك الرحلةِ حتّى ذُبتِ هكذا؟»
انكسرَ سدُّ دموعِ أمّي. انفجرت باكيةً؛ بكاءً يحرقُ الروح، أفزعَ نشيجُه مريمَ الصغيرة، حتّى ألقت مريمُ بنفسِها في حضنِ أمِّها وبدأت تبكي معها. مسحَ أبي على رأسِ مريم، وفتحت أمّي فمَها بالكلامِ بين نشيجٍ متقطّع:
«لا أدري يا ظاهر… ربّما من تغيُّرِ الجوّ، وربّما من الهزّاتِ العنيفةِ التي لا تنتهي في تلك الحافلةِ اللعينةِ على تلك الدروبِ البعيدة. كانت الرحلةُ طويلةً مُتعِبةً إلى حدِّ أنّني أنا الأصغرَ سنّاً، بدلَ أن أعتنيَ بأمِّك بيبي فاطمة، مرِضتُ أنا مرضاً شديداً وسقطت. كنتُ خجلى يا ظاهر… كنتُ أستحي. أمّا أمُّك… فحتّى حين كنتُ أحترقُ بالحمّى وأنا نائمة، كانت تسحبُ عنّي البطّانيةَ التي ألقيتُها على نفسي وتضعُها على نفسِها لتدفأ أكثر! وأنا الغريبةُ في تلك الحافلة، كيف كان لي أن أطلبَ منها عوناً؟»
رفعت أمّي رأسَها، وثبّتت عينَيها المبلّلتَينِ على أبي وأكملت: «أنهكَني اشتدادُ المرض. اضطُرِرتُ أن أشرحَ حالي لسائقِ الحافلة. وتصرّفَ السائقُ بمروءة، فلمّا وصلنا سوريّة أحضرَ لي دواءً وأخذني إلى أقربِ مستوصفٍ للعلاج. يا ظاهر… قُل لي أنت، هل ارتكبتُ في الغربةِ خطأً؟»
نظرَ إليها أبي من دونِ لحظةِ تردّدٍ بعينَيه الواثقتَينِ الحنونتَينِ وقال: «لا يا مرضيّة حبيبتي. فعلتِ الصواب.»
لكنّ دموعَ أمّي اشتدّت؛ كمطرٍ يهطلُ على ترابِ حيِّ غُلستان اليابس. «فلماذا يقولون عنّي كلاماً قبيحاً؟ لماذا نقلَ الزوّارُ الذين كانوا معنا في السفرِ هذه الأخبارَ الكاذبةَ الدنِسةَ إلى مسامعِ أمِّك؟ هذا ليس حقّي يا ظاهر… ليس حقّي. عليك أن تشكرَ ذلك السائقَ لأنّه اعتنى بزوجتِك، لا أن تردَّ على تُهَمِ أهلِك!»
أمّا أبي ظاهر، الذي كان شرفُه وكبرياؤه معقودَينِ بكلِّ أوصالِ هذه المرأة، فأخذَ يدَي أمّي المرتعشتَينِ بين كفَّيه العريضتَينِ الخشِنتَين، ومسحَ عليهما، وقال بصوتٍ يتموّجُ فيه الآنَ غضبٌ مكتوم:
«مرضيّتي، أنا واثقٌ بكِ كلَّ الثقة. أعُدُّكِ أطهرَ من الذهبِ الخالص. ما من كلمةٍ تقدرُ أن تضعَ على ثوبِكِ لطخة. البسي چادورَكِ الآن؛ استعدّي لنذهبَ إلى بيتِ أمّي بيبي فاطمة ونرى ماذا عندَهم ليقولوا. هذه الفتنةُ يجب أن تنتهيَ اليوم.»
نهضَ أبي. نظرتُ إلى وجهِه؛ كان الغضبُ وغَيرةُ الرجالِ تتوهّجانِ في عينَيه. وكنتُ ما أزالُ في الثالثةَ عشرةَ غافلاً، لا أدري أنّ وطءَ قدَمِنا بيتَ بيبي فاطمة في ذلك العصرِ اللاهبِ سيكونُ بدايةَ الانهيارِ الأبديِّ لفردوسِنا الصغير…
لكنّ ذلك الفردوسَ البريءَ وتلك الجُمَعَ المفعمةَ بالصخبِ تحت ظلِّ جبلِ الله أكبر، لم تدُم طويلاً. كانت عاصفةٌ خريفيّةٌ في طريقِها، في قلبِ أيّارَ من عامِ ١٩٩٥ بالذات…
كانت رحلةُ الأسبوعَينِ التي قامت بها أمّي مرضيّة وبيبي فاطمة إلى سوريّةَ قد انتهت. أسبوعانِ قضيتُهما أنا وفائزة ومريمُ الصغيرةُ في بيتِ بيبي، في ظلِّ حنانِ العمّةِ خديجةَ الذي لا يبخل. العمّةُ خديجة، التي كانت هي نفسُها قد انفصلَت عن زوجِها قبل سنوات، وتُدير بعملٍ ليليٍّ نهاريٍّ شاقٍّ عجلةَ حياةِ ولدَيها سينا وسارة، كانت لنا في ذَينِك الأسبوعَينِ أمّاً.
حين عادت أمّي، كانت حقيبتُها تفوحُ برائحةٍ غريبة؛ مزيجٌ من عطرِ ياسمينِ دمشق، ورائحةِ الهيلِ والبهاراتِ العربيّة، وغبارٍ ترسّبَ من دروبٍ طويلة. رُصِفَت الهدايا على الطاولة: حلوى سوريّةٌ دسِمةٌ شهيّة، ومسابحُ ملوّنة، ولُعَبٌ صغيرةٌ لمريم. لكن خلفَ ابتسامةِ أمّي كان نورٌ قد انطفأ. تلك المرأةُ التي ركبت الحافلةَ بشوقٍ لزيارةِ الحرم، عادت الآن كطائرٍ مكسورِ الجناح، يفزعُ حتّى من ظلِّ نفسِه.
في اليومِ التالي للعودة، كان وقتَ الغداء. كانت شمسُ أيّارَ تعبرُ زجاجَ الصالونِ في الطابقِ العلويِّ وتقعُ على السفرةِ المبسوطةِ في الصالة. اجتمعنا حولَ السفرةِ جميعاً: أبي ظاهر، وأمّي، وأنا، وفائزة، ومريمُ الصغيرةُ التي كانت — وهي لا تدري بشيء — دلّوعةَ البيتِ الصغرى تُلوّحُ بملعقتِها في يدِها.
كنّا ننتظرُ أن تحدّثَنا أمّي عن رحلتِها بإسهابٍ كعادتِها؛ عن أسواقِ دمشق، وعن الحرم، وعن رفاقِ السفر. لكنّها جلست إلى السفرةِ بوجهٍ قلِقٍ وعينَينِ بلا بريقٍ وابتسامةٍ أشبهَ باعتذارٍ طويل.
بدأ الغداء، لكن لم يصدر عن أحدٍ صوت. ملأ المكانَ صمتٌ خانقٌ ثقيل؛ صمتٌ لم يكن يكسرُه إلّا صوتُ ارتطامِ الملاعقِ الرتيبِ العنيدِ بقاعِ الصحونِ الميلامين. كنتُ أنا وفائزة نُبادلُ النظراتِ المرتجفةَ بدهشةٍ وقلقٍ بين وجهِ أبي المضطربِ وعينَي أمّي المُطرِقتَين. حتّى مريمُ بدَت وكأنّها، على صِغَرِ سنِّها، قد أدركت ثِقَلَ الهواء، فأخذت تأكلُ أهدأَ من أيِّ يوم. كان ثمّةَ شيءٌ ليس على ما يُرام. وكأنّ رحلةَ سوريّة، بدل أن تُضمِّدَ روحَ أمّي المتعَبةَ الكئيبة، قد غرَست في نفسِها جرحاً أعمقَ وأخفى.
ولمّا رُفِعَت السفرةُ وأرادت أمّي أن تحملَ الأواني إلى المطبخ، ناداها أبي بصوتٍ هادئٍ لكنّه حازم، يسري فيه ارتجافٌ من القلق: «مرضيّة… اجلسي. علينا أن نتكلّم.»
طارَ لونُ وجهِ أمّي. توسّلَت بصوتٍ ضعيف: «ظاهر، باللهِ عليك ليس الآن… أجِّلها إلى وقتٍ آخر. الأولادُ هنا…»
لكنّ أبي أصرّ. كان كلاهما غارقاً في أفكارِه المشوّشةِ إلى حدِّ أنّهما نسيا وجودَنا نحن الأطفالَ تماماً. كانت أمّي تضغطُ على حافّةِ السفرةِ بيدِها. احمرَّ جلدُ وجهِها كوجهِ فتاةٍ خجول، وارتعشت قطراتُ الدمعِ في محجرَي عينَيها النحيلتَين.
وضعَ أبي، بهدوئِه المألوفِ لكن بنبرةٍ مترعةٍ بالحبّ، يدَه على يدِها وسأل: «مرضيّة، احكي لي. أريدُ أن أعرفَ ماذا جرى لكِ في تلك الرحلةِ حتّى ذُبتِ هكذا؟»
انكسرَ سدُّ دموعِ أمّي. انفجرت باكيةً؛ بكاءً يحرقُ الروح، أفزعَ نشيجُه مريمَ الصغيرة، حتّى ألقت مريمُ بنفسِها في حضنِ أمِّها وبدأت تبكي معها. مسحَ أبي على رأسِ مريم، وفتحت أمّي فمَها بالكلامِ بين نشيجٍ متقطّع:
«لا أدري يا ظاهر… ربّما من تغيُّرِ الجوّ، وربّما من الهزّاتِ العنيفةِ التي لا تنتهي في تلك الحافلةِ اللعينةِ على تلك الدروبِ البعيدة. كانت الرحلةُ طويلةً مُتعِبةً إلى حدِّ أنّني أنا الأصغرَ سنّاً، بدلَ أن أعتنيَ بأمِّك بيبي فاطمة، مرِضتُ أنا مرضاً شديداً وسقطت. كنتُ خجلى يا ظاهر… كنتُ أستحي. أمّا أمُّك… فحتّى حين كنتُ أحترقُ بالحمّى وأنا نائمة، كانت تسحبُ عنّي البطّانيةَ التي ألقيتُها على نفسي وتضعُها على نفسِها لتدفأ أكثر! وأنا الغريبةُ في تلك الحافلة، كيف كان لي أن أطلبَ منها عوناً؟»
رفعت أمّي رأسَها، وثبّتت عينَيها المبلّلتَينِ على أبي وأكملت: «أنهكَني اشتدادُ المرض. اضطُرِرتُ أن أشرحَ حالي لسائقِ الحافلة. وتصرّفَ السائقُ بمروءة، فلمّا وصلنا سوريّة أحضرَ لي دواءً وأخذني إلى أقربِ مستوصفٍ للعلاج. يا ظاهر… قُل لي أنت، هل ارتكبتُ في الغربةِ خطأً؟»
نظرَ إليها أبي من دونِ لحظةِ تردّدٍ بعينَيه الواثقتَينِ الحنونتَينِ وقال: «لا يا مرضيّة حبيبتي. فعلتِ الصواب.»
لكنّ دموعَ أمّي اشتدّت؛ كمطرٍ يهطلُ على ترابِ حيِّ غُلستان اليابس. «فلماذا يقولون عنّي كلاماً قبيحاً؟ لماذا نقلَ الزوّارُ الذين كانوا معنا في السفرِ هذه الأخبارَ الكاذبةَ الدنِسةَ إلى مسامعِ أمِّك؟ هذا ليس حقّي يا ظاهر… ليس حقّي. عليك أن تشكرَ ذلك السائقَ لأنّه اعتنى بزوجتِك، لا أن تردَّ على تُهَمِ أهلِك!»
أمّا أبي ظاهر، الذي كان شرفُه وكبرياؤه معقودَينِ بكلِّ أوصالِ هذه المرأة، فأخذَ يدَي أمّي المرتعشتَينِ بين كفَّيه العريضتَينِ الخشِنتَين، ومسحَ عليهما، وقال بصوتٍ يتموّجُ فيه الآنَ غضبٌ مكتوم:
«مرضيّتي، أنا واثقٌ بكِ كلَّ الثقة. أعُدُّكِ أطهرَ من الذهبِ الخالص. ما من كلمةٍ تقدرُ أن تضعَ على ثوبِكِ لطخة. البسي چادورَكِ الآن؛ استعدّي لنذهبَ إلى بيتِ أمّي بيبي فاطمة ونرى ماذا عندَهم ليقولوا. هذه الفتنةُ يجب أن تنتهيَ اليوم.»
نهضَ أبي. نظرتُ إلى وجهِه؛ كان الغضبُ وغَيرةُ الرجالِ تتوهّجانِ في عينَيه. وكنتُ ما أزالُ في الثالثةَ عشرةَ غافلاً، لا أدري أنّ وطءَ قدَمِنا بيتَ بيبي فاطمة في ذلك العصرِ اللاهبِ سيكونُ بدايةَ الانهيارِ الأبديِّ لفردوسِنا الصغير…
## القسمُ الرابع: رمادُ الفردوسِ في صالةِ بيتِ بيبي
حين وطئتُ أنا وأبي ظاهر وأمّي مرضيّة — بچادورِها الأسودِ وكتفَيها المرتجفَين — بيتَ بيبي فاطمة، لم نبقَ في الفناء. صعدنا الدرجَ ودخلنا «الصالة»؛ تلك الغرفةَ الكبيرةَ التي كانت مساندُ المخملِ مرصوفةً حولَها دائماً، والتي كانت أيّامَ الجمعةِ القلبَ النابضَ للقاءاتِ العائلةِ الصاخبة. لكن في ذلك اليومِ لم يكن ثمّةَ أثرٌ لتلك الألفةِ ولا لتلك الأحضانِ الدافئةِ المعهودة.
كان صمتٌ غريبٌ ثقيلٌ خانقٌ يسودُ فضاءَ الصالة؛ وكأنّنا بدخولِنا المفاجئِ باغتنا الجميع. كانت العمّةُ خديجة والعمُّ نادر وسينا وبيبي فاطمة كلٌّ منهم منكمشاً في زاوية، لكن بمجيئِنا تجمّدَ كلُّ شيءٍ في لحظة. لم ينبس أحدٌ بكلمة. كان صمتُ الصالةِ ثقيلاً قاسياً إلى حدِّ أنّ صوتَ أنفاسِ أمّي المضطربةِ المتقطّعةِ كان يُسمَعُ بوضوح.
كان أبي ظاهر — الذي أفشى ارتعاشُ يدَيه الخفيفُ غضبَه المكتوم — واقفاً ينتظرُ ليرى مَن سيوجّهُ أوّلَ ضربةٍ إلى حرمةِ بيتِه. وأخيراً نهضت العمّةُ خديجةُ بوجهٍ محتقن، وجاءت نحوَ أمّي وقالت بنبرةٍ فيها نكهةُ الأمر: «مرضيّة، انهضي وتعالي معي إلى الغرفةِ المجاورة. عليّ أن أتكلّمَ معكِ.»
تقدّمَ أبي بنظرةٍ غاضبةٍ وسدَّ طريقَ العمّة: «لا! أيُّ كلامٍ يُقالُ فليُقَل هنا، في الصالةِ وبحضوري!»
حاولت بيبي فاطمة، وهي جالسةٌ على وسادتِها القديمة، أن تُهدّئَ الفتنة. التفتت إلى العمّةِ خديجةَ وقالت: «خديجة، اجلسي. هذا الأمرُ لا يعنينا، لا تتدخّلي.»
لكنّ العمّةَ خديجةَ لم تُصغِ. استدارت إلى أمّي مرضيّة وانتقدت بكلماتٍ حادّةٍ قاسيةٍ سلوكَها طوالَ الرحلةِ وصلتَها بسائقِ الحافلة. أطرقت أمّي وسحبت چادورَها على وجهِها. ولمّا رأت بيبي فاطمة أنّ الصمتَ لا يُجدي، روت لأبي الحكايةَ كما سمِعَتها من المرأةِ العربيّةِ المشرفةِ على القافلة:
«يا ظاهر، هذه المرأةُ فعلَت في الغربةِ أفعالاً لا تليقُ بامرأةٍ حَيِيّةٍ مسلمة! كانت تطلبُ من السائقِ أن يُحمِّلَ حقائبَها الثقيلةَ أو يُنزِلَها لها. ولمّا مرِضَت كانت تذهبُ إليه مِراراً وتطلبُ منه أن يوصلَها إلى المستوصفِ أو الصيدليّة. حتّى أمامَ عينَيَّ أنا كان السائقُ يمسكُ مرضيّةَ من تحتِ إبطِها ويُعينُها على المشي! واللهُ أعلمُ بما كان يجري بينهما حين لم أكن معهما!»
عند سماعِ هذه التُّهَمِ الباطلة، انكسرَ سدُّ أمّي، وملأ نشيجُها الغريبُ صالةَ البيت. أمّا أبي ظاهر، وقد حجبَ الدمُ بصرَه، فصرخَ غاضباً: «أنا أؤمنُ بمرضيّةَ إيماناً كاملاً! هي عندي أطهرُ من الذهب، ولن أسمحَ لأحدٍ أن يتّهمَ زوجتي!» ثمّ أمسكَ يدَ أمّي وصاح: «مرضيّة، انهضي لنخرجَ من هذا البيت!»
هرعَ سينا ابنُ العمّةِ خديجة والعمُّ نادرٌ مذعورَينِ وسدّا بابَ مخرجِ الصالةِ ليمنعا أبي من الخروج. ولمّا سألاه متوسّلَينِ إلى أين يذهبُ بهذه الحال، صرخَ أبي في ذروةِ اليأسِ والجنونِ الذي أورثَته إيّاه غيرتُه المجروحة: «أذهبُ لأُغرِقَ نفسي وزوجتي وأولادي في قناةِ الماء!»
اندفعَ الجميعُ نحوَ أبي ليُمسكوه ويمنعوه من مغادرةِ البيت. ولمّا رأى أبي أنّه صار أسيراً في قبضتِهم وأنّه لا يستطيعُ أن يتحرّرَ في ذلك المكانِ المغلق، ضربَ رأسَه فجأةً بكلِّ قوّتِه، في ذروةِ الضغطِ العصبيِّ وفقدانِ الوعي بالذات، في بابِ مدخلِ الصالة؛ ذلك البابِ الخشبيِّ القديمِ ذي النوافذِ الزجاجيّةِ الملوّنة.
مزّقَ صوتُ تحطُّمِ الزجاجِ المروِّعُ الصاخبُ صمتَ البيت. في ثانيةٍ واحدةٍ تساقطَ الزجاجُ الملوّنُ الجميل، وجرى الدمُ الحارُّ الأحمرُ من جبينِ أبي وغطّى وجهَه. خانته ساقاه فوراً وسقطَ مغشيّاً عليه بين أيدي الأهل.
تحوّلت الصالةُ إلى جحيمٍ من الصراخِ والزجاجِ والدم. كنّا أنا وفائزة ومريمُ نرتجفُ من الخوفِ ونبكي فوق شظايا الزجاج. حملَ سينا والعمُّ نادرٌ مسرعَينِ جسدَ أبي الغارقَ في الدمِ الفاقدَ للوعيِ إلى داخلِ الغرفةِ ليُضمّدا رأسَه. أمّا العمّةُ خديجة، التي انهالَ فجأةً على صدرِها ثِقَلُ الندمِ والذنبِ عمّا جرى، فأصابها تشنّجٌ وسقطت على سجّادِ الصالةِ بيدَينِ وقدمَينِ ترتعشان.
وفي وسطِ ذلك الصخبِ والصرخاتِ والركضِ لإحضارِ ماءِ السكّر، لم ينتبه أحدٌ إلى أمّي. لكنّني أنا انتبهتُ إلى غيابِها. قلِقاً مضطرباً، خرجتُ من فوضى الصالةِ وركضتُ نحوَ فناءِ البيتِ الخلفيّ.
كانت أمّي هناك؛ بوجهٍ مبلّلٍ بالدمعِ وذهنٍ مشوّش، تخطو مسرعةً وتُهمهمُ لنفسِها بشيءٍ تحت شفتَيها. ولمّا رأتني ركضت نحوي. كانت عيناها تضطربان. وضعت يدَيها المرتعشتَينِ على كتفَيَّ وسألت: «محسن… محسن، هل مفاتيحُ البيتِ معك؟»
انزلقت يدي اليمنى من غيرِ وعيٍ إلى جيبِ سروالي. ضغطت الحوافُّ الخشِنةُ الحادّةُ لذلك المفتاحِ المشؤومِ على السُّلاميةِ الأولى من سبّابتي — على ذلك الجرحِ القديمِ اللاذعِ بالذات — فانعقدَ ألمُ المفتاحِ الماديُّ بقلقٍ غريبٍ في قلبي.
قلتُ بصوتٍ مرتجف: «نعم يا أمّي، معي.»
قالت متوسّلة: «أعطِنيها يا محسن. عليَّ أن أعودَ إلى البيت. لا يليقُ أن أبقى هنا في هذه الحال. لستُ بخيرٍ أبداً، عليَّ أن أذهبَ إلى البيتِ لأستريحَ قليلاً.»
خِفتُ. كنتُ أضغطُ المفتاحَ في قبضتي ومعدنُه الحادُّ يلسعُ إصبعي. سألتُ: «وإن أفاقَ أبي وانتبهَ إلى غيابِك؟»
ابتسمت أمّي ابتسامةً مُرّةً واهنة، ومسحت على أصابعي الصغيرةِ وقالت: «لا يا حبيبي، سأعودُ سريعاً… أعطِني المفاتيحَ فقط.»
أحسستُ للمرّةِ الأخيرةِ بضغطِ معدنِ المفتاحِ الباردِ على أثرِ الجرحِ في سبّابتي، ثمّ أخرجتُه أنا، ببراءةِ الثالثةَ عشرة، من جيبي وسلّمتُه إلى يدَي أمّي المرتعشتَين. سوّت أمّي چادورَها على رأسِها واختفت مسرعةً من بابِ الفناءِ كظلٍّ خفيفٍ في ضوءِ الغروبِ الشاحب…
ليتني… ليتني ما جئتُ إلى الفناءِ في ذلك العصرِ اللاهبِ قطّ، وما التقيتُ أمّي. ما زلتُ بعد كلِّ هذه السنينِ أعُدُّ نفسي المتّهمَ الأوّلَ بكلِّ العواصفِ التي قامت خلفَ تلك الأبوابِ المغلقة…
حين وطئتُ أنا وأبي ظاهر وأمّي مرضيّة — بچادورِها الأسودِ وكتفَيها المرتجفَين — بيتَ بيبي فاطمة، لم نبقَ في الفناء. صعدنا الدرجَ ودخلنا «الصالة»؛ تلك الغرفةَ الكبيرةَ التي كانت مساندُ المخملِ مرصوفةً حولَها دائماً، والتي كانت أيّامَ الجمعةِ القلبَ النابضَ للقاءاتِ العائلةِ الصاخبة. لكن في ذلك اليومِ لم يكن ثمّةَ أثرٌ لتلك الألفةِ ولا لتلك الأحضانِ الدافئةِ المعهودة.
كان صمتٌ غريبٌ ثقيلٌ خانقٌ يسودُ فضاءَ الصالة؛ وكأنّنا بدخولِنا المفاجئِ باغتنا الجميع. كانت العمّةُ خديجة والعمُّ نادر وسينا وبيبي فاطمة كلٌّ منهم منكمشاً في زاوية، لكن بمجيئِنا تجمّدَ كلُّ شيءٍ في لحظة. لم ينبس أحدٌ بكلمة. كان صمتُ الصالةِ ثقيلاً قاسياً إلى حدِّ أنّ صوتَ أنفاسِ أمّي المضطربةِ المتقطّعةِ كان يُسمَعُ بوضوح.
كان أبي ظاهر — الذي أفشى ارتعاشُ يدَيه الخفيفُ غضبَه المكتوم — واقفاً ينتظرُ ليرى مَن سيوجّهُ أوّلَ ضربةٍ إلى حرمةِ بيتِه. وأخيراً نهضت العمّةُ خديجةُ بوجهٍ محتقن، وجاءت نحوَ أمّي وقالت بنبرةٍ فيها نكهةُ الأمر: «مرضيّة، انهضي وتعالي معي إلى الغرفةِ المجاورة. عليّ أن أتكلّمَ معكِ.»
تقدّمَ أبي بنظرةٍ غاضبةٍ وسدَّ طريقَ العمّة: «لا! أيُّ كلامٍ يُقالُ فليُقَل هنا، في الصالةِ وبحضوري!»
حاولت بيبي فاطمة، وهي جالسةٌ على وسادتِها القديمة، أن تُهدّئَ الفتنة. التفتت إلى العمّةِ خديجةَ وقالت: «خديجة، اجلسي. هذا الأمرُ لا يعنينا، لا تتدخّلي.»
لكنّ العمّةَ خديجةَ لم تُصغِ. استدارت إلى أمّي مرضيّة وانتقدت بكلماتٍ حادّةٍ قاسيةٍ سلوكَها طوالَ الرحلةِ وصلتَها بسائقِ الحافلة. أطرقت أمّي وسحبت چادورَها على وجهِها. ولمّا رأت بيبي فاطمة أنّ الصمتَ لا يُجدي، روت لأبي الحكايةَ كما سمِعَتها من المرأةِ العربيّةِ المشرفةِ على القافلة:
«يا ظاهر، هذه المرأةُ فعلَت في الغربةِ أفعالاً لا تليقُ بامرأةٍ حَيِيّةٍ مسلمة! كانت تطلبُ من السائقِ أن يُحمِّلَ حقائبَها الثقيلةَ أو يُنزِلَها لها. ولمّا مرِضَت كانت تذهبُ إليه مِراراً وتطلبُ منه أن يوصلَها إلى المستوصفِ أو الصيدليّة. حتّى أمامَ عينَيَّ أنا كان السائقُ يمسكُ مرضيّةَ من تحتِ إبطِها ويُعينُها على المشي! واللهُ أعلمُ بما كان يجري بينهما حين لم أكن معهما!»
عند سماعِ هذه التُّهَمِ الباطلة، انكسرَ سدُّ أمّي، وملأ نشيجُها الغريبُ صالةَ البيت. أمّا أبي ظاهر، وقد حجبَ الدمُ بصرَه، فصرخَ غاضباً: «أنا أؤمنُ بمرضيّةَ إيماناً كاملاً! هي عندي أطهرُ من الذهب، ولن أسمحَ لأحدٍ أن يتّهمَ زوجتي!» ثمّ أمسكَ يدَ أمّي وصاح: «مرضيّة، انهضي لنخرجَ من هذا البيت!»
هرعَ سينا ابنُ العمّةِ خديجة والعمُّ نادرٌ مذعورَينِ وسدّا بابَ مخرجِ الصالةِ ليمنعا أبي من الخروج. ولمّا سألاه متوسّلَينِ إلى أين يذهبُ بهذه الحال، صرخَ أبي في ذروةِ اليأسِ والجنونِ الذي أورثَته إيّاه غيرتُه المجروحة: «أذهبُ لأُغرِقَ نفسي وزوجتي وأولادي في قناةِ الماء!»
اندفعَ الجميعُ نحوَ أبي ليُمسكوه ويمنعوه من مغادرةِ البيت. ولمّا رأى أبي أنّه صار أسيراً في قبضتِهم وأنّه لا يستطيعُ أن يتحرّرَ في ذلك المكانِ المغلق، ضربَ رأسَه فجأةً بكلِّ قوّتِه، في ذروةِ الضغطِ العصبيِّ وفقدانِ الوعي بالذات، في بابِ مدخلِ الصالة؛ ذلك البابِ الخشبيِّ القديمِ ذي النوافذِ الزجاجيّةِ الملوّنة.
مزّقَ صوتُ تحطُّمِ الزجاجِ المروِّعُ الصاخبُ صمتَ البيت. في ثانيةٍ واحدةٍ تساقطَ الزجاجُ الملوّنُ الجميل، وجرى الدمُ الحارُّ الأحمرُ من جبينِ أبي وغطّى وجهَه. خانته ساقاه فوراً وسقطَ مغشيّاً عليه بين أيدي الأهل.
تحوّلت الصالةُ إلى جحيمٍ من الصراخِ والزجاجِ والدم. كنّا أنا وفائزة ومريمُ نرتجفُ من الخوفِ ونبكي فوق شظايا الزجاج. حملَ سينا والعمُّ نادرٌ مسرعَينِ جسدَ أبي الغارقَ في الدمِ الفاقدَ للوعيِ إلى داخلِ الغرفةِ ليُضمّدا رأسَه. أمّا العمّةُ خديجة، التي انهالَ فجأةً على صدرِها ثِقَلُ الندمِ والذنبِ عمّا جرى، فأصابها تشنّجٌ وسقطت على سجّادِ الصالةِ بيدَينِ وقدمَينِ ترتعشان.
وفي وسطِ ذلك الصخبِ والصرخاتِ والركضِ لإحضارِ ماءِ السكّر، لم ينتبه أحدٌ إلى أمّي. لكنّني أنا انتبهتُ إلى غيابِها. قلِقاً مضطرباً، خرجتُ من فوضى الصالةِ وركضتُ نحوَ فناءِ البيتِ الخلفيّ.
كانت أمّي هناك؛ بوجهٍ مبلّلٍ بالدمعِ وذهنٍ مشوّش، تخطو مسرعةً وتُهمهمُ لنفسِها بشيءٍ تحت شفتَيها. ولمّا رأتني ركضت نحوي. كانت عيناها تضطربان. وضعت يدَيها المرتعشتَينِ على كتفَيَّ وسألت: «محسن… محسن، هل مفاتيحُ البيتِ معك؟»
انزلقت يدي اليمنى من غيرِ وعيٍ إلى جيبِ سروالي. ضغطت الحوافُّ الخشِنةُ الحادّةُ لذلك المفتاحِ المشؤومِ على السُّلاميةِ الأولى من سبّابتي — على ذلك الجرحِ القديمِ اللاذعِ بالذات — فانعقدَ ألمُ المفتاحِ الماديُّ بقلقٍ غريبٍ في قلبي.
قلتُ بصوتٍ مرتجف: «نعم يا أمّي، معي.»
قالت متوسّلة: «أعطِنيها يا محسن. عليَّ أن أعودَ إلى البيت. لا يليقُ أن أبقى هنا في هذه الحال. لستُ بخيرٍ أبداً، عليَّ أن أذهبَ إلى البيتِ لأستريحَ قليلاً.»
خِفتُ. كنتُ أضغطُ المفتاحَ في قبضتي ومعدنُه الحادُّ يلسعُ إصبعي. سألتُ: «وإن أفاقَ أبي وانتبهَ إلى غيابِك؟»
ابتسمت أمّي ابتسامةً مُرّةً واهنة، ومسحت على أصابعي الصغيرةِ وقالت: «لا يا حبيبي، سأعودُ سريعاً… أعطِني المفاتيحَ فقط.»
أحسستُ للمرّةِ الأخيرةِ بضغطِ معدنِ المفتاحِ الباردِ على أثرِ الجرحِ في سبّابتي، ثمّ أخرجتُه أنا، ببراءةِ الثالثةَ عشرة، من جيبي وسلّمتُه إلى يدَي أمّي المرتعشتَين. سوّت أمّي چادورَها على رأسِها واختفت مسرعةً من بابِ الفناءِ كظلٍّ خفيفٍ في ضوءِ الغروبِ الشاحب…
ليتني… ليتني ما جئتُ إلى الفناءِ في ذلك العصرِ اللاهبِ قطّ، وما التقيتُ أمّي. ما زلتُ بعد كلِّ هذه السنينِ أعُدُّ نفسي المتّهمَ الأوّلَ بكلِّ العواصفِ التي قامت خلفَ تلك الأبوابِ المغلقة…
## القسمُ الخامس: رنينُ الجرسِ المشؤومِ والإسفلتُ الملتهب
مضت قرابةُ ساعتَينِ على تلك الفاجعة؛ ساعتانِ مرّتا عليَّ كقرنَين. غرِقَ فضاءُ بيتِ بيبي فاطمة بعد تلك العاصفةِ الثقيلةِ في صمتٍ مميتٍ برزخيّ. كان أبي نائماً على الفراشِ منهَكاً وجبينُه معصوب، ولم يكن قد أفاقَ تماماً بعد، ولا يدري بما يجري خارجَ الغرفة. أمّا العمّةُ خديجة، بعد التشنّجِ العنيفِ الذي مرَّ بها، فكانت منكمشةً في زاويةِ الصالةِ بوجهٍ شاحبٍ وعينَينِ بلا بريق. كان تأنيبُ الضميرِ وثِقَلُ التُّهَمِ التي رُمِيَت بها أمّي قد ترسّبا كغبارٍ رماديٍّ على وجوهِ الأهلِ جميعاً. لم ينبس أحدٌ بكلمة؛ وكأنّ الجميعَ ينتظرون شرارةً أخرى ليتحطّموا من جديد.
وفجأةً، مزّقَ رنينُ هاتفِ الطاولةِ صمتَ الصالةِ الخانق.
انتفضنا جميعاً من الرعب. ركضت العمّةُ خديجة بيدَينِ ما زالتا ترتعشانِ نحوَ الهاتفِ ورفعت السمّاعة. وما إن سمِعَت الصوتَ على الطرفِ الآخرِ حتّى ابيضَّ وجهُها كالجِصِّ بلا دم. بقيَ فمُها مفتوحاً، وكأنّ الهواءَ لا يكفيها للتنفّس. وبصوتٍ كأنّه يخرجُ من قاعِ بئر، صرخت متوسّلةً مرّاتٍ عدّة: «لا… انتظري! مرضيّة؟ مرضيّة أنتِ؟… مرضيّة! مرضيّة!»
أفلتت السمّاعةُ من يدِ العمّةِ المرتعشةِ وسقطت على الجهاز. التفتت بصوتٍ مذعورٍ متقطّعٍ إلى سينا والعمِّ نادرٍ وصرخت: «هيّا بسرعة… كانت مرضيّة… قالت تعالوا خذوني، أوصلوني… لستُ بخيرٍ أبداً!»
عمَّ بيتَ بيبي هرجٌ وصخبٌ غريب. كان الجميعُ يدورون حولَ أنفسِهم مذعورين، وقد أدركوا للتوِّ أنّه ما كان ينبغي أن يرفعوا أعينَهم عن أمّي ولو ثانيةً واحدة. وفي وسطِ ذلك الصخبِ، انهالَ على صدري ثِقَلُ جبلٍ من الذنب. كان جسدي كلُّه يرتجفُ من الهلع. واعترفتُ بصوتٍ باكٍ مرتجف: «يا عمّة… أمّي طلبت منّي مفاتيحَ البيت… وأنا… أنا أعطيتُها المفاتيح!»
استدارت العمّةُ خديجةُ نحوي بعينَينِ مترعتَينِ بالرعبِ والغضب، وهزّت كتفَيَّ وصرخت: «أخطأتَ يا ولدي! أخطأت! والآنَ بماذا أُجيبُ أباك؟ لو أصابت أمُّكَ نفسَها بسوءٍ لا سمحَ الله، فأيَّ ترابٍ أحثو على رأسي؟»
بكلماتِ العمّةِ انهارت السماءُ فوق رأسي وأظلمت الدنيا أمام عينَيَّ. تمنّيتُ لو تنشقُّ الأرضُ فتبتلعَني. خطرَ لي أن أهربَ من البيت. كانت أختايَ المذعورتانِ فائزة ومريمُ الصغيرةُ تُحدّقانِ بي بعينَينِ مترعتَينِ بالخوفِ والشفقة؛ نظرةٌ كان ثِقَلُها كمحكمةٍ عادلةٍ تُدينُ براءتي ذاتَ الثلاثةَ عشرَ عاماً.
تهيّأ الكبارُ مسرعينَ للخروجِ إلى بيتِنا. ولئلّا نُعرقلَهم أو نُثيرَ الفوضى في الفناء، أدخلوني أنا وفائزة ومريم إلى إحدى الغرفِ الخلفيّةِ وأقفلوا البابَ علينا من الخارج. وبقيت سارة والعمّةُ پروين وحدَهما في البيتِ لترعيانا وترعيا أبانا الفاقدَ للوعي.
كان الوقتُ يمضي بمشقّة. كنتُ أسمعُ دقّاتِ قلبي المتسارعةَ في صدري. كان احتمالُ ذلك الجدارِ الرباعيِّ المقفلِ وانقطاعُ خبرِ أمّي مستحيلاً عليّ. كانت ساقايَ ترتعشان، لكنّ إرادتي في الذهابِ كانت حاسمة. ولمّا رقَّ قلبُ سارةَ لحالِنا ورأت دموعي المتوسّلة، فتحت القفلَ سرّاً، لكنّها اشترطت بصوتٍ مرتجف: «محسن… باللهِ عليك اذهب، لكن لا تقل لأبيك شيئاً عن ذهابِ مرضيّة.»
لم أنتظر كلمةً أخرى. وعلى الرغمِ من اعتراضِ العمّةِ پروين وسارة، اندفعتُ خارجَ بابِ البيت.
لم يكن في جيبي قرشٌ واحدٌ لأركبَ سيّارةَ أجرة. كانت يدي اليمنى خاويةً وأثرُ الجرحِ في سبّابتي ما زال يحترقُ من ضغطِ ذلك المفتاحِ اللعين. بدأتُ أركض. كان الدربُ الترابيُّ المؤدّي إلى حيِّ غُلستان ملتهباً تحت شمسِ العصرِ الحارقة، لكنّي ركضتُ المسافةَ كلَّها — أربعةَ كيلومتراتٍ حتّى بيتِنا — بلا حذاء، بقدمَينِ حافيتَين. كنتُ ألهث، ورئتايَ تحترقانِ من غبارِ الطريق، ولم أكن أشعرُ بلسعِ باطنِ قدمَيَّ على الإسفلتِ الساخن. الصورةُ الوحيدةُ التي كانت تضطربُ في ذهني هي وجهُ أمّي المشوّشُ في الفناءِ الخلفيّ. كنتُ أتوسّلُ في نفسي: «يا ربّ… فقط اجعل أمّي بخير. هذا كلُّ ما أريد.»
ولمّا بلغتُ أوّلَ زقاقِنا في حيِّ غُلستان، كبّلَ كلَّ أوصالي خوفٌ يشلُّ الحركة. كان زقاقُنا مزدحماً غارقاً في الحركة. تجمّعَ الجيرانُ أمام بابِ بيتِنا يتهامسون.
هوى قلبي. عبرتُ بين الحشدِ مذعوراً بقدمَينِ لم يبقَ فيهما رمقٌ للركض. وفجأةً تجمّدتُ. كانت سيّارةُ إسعافٍ بيضاءُ متوقّفةً أمام الباب. رأيتُ العمّةَ خديجةَ تضربُ رأسَها بلا رحمةٍ في هيكلِ الإسعافِ المعدنيِّ من شدّةِ الألمِ وجنونِ الندم، وتصرخُ بعويلٍ وأنينٍ يحرقُ الروح: «مرضيّة!… مرضيّة!… سامحيني يا مرضيّة!»
انطلقَ صفّارُ الإسعافِ بضجيجٍ مروِّعٍ وعويلٍ يصمُّ الآذان، وتحرّكت السيّارةُ من بين الحشدِ الغاضبِ الفضوليِّ وابتعدت. تصبّبَ على جبيني عرقٌ بارد وغامَ بصري. استدارت نحوي نظراتُ الجيرانِ الثقيلةُ الممزوجةُ بالشفقة؛ إلى صبيٍّ حافٍ بقدمَينِ جريحتَين يقفُ على العتبةِ ويُحدّقُ في أسلاكِ جرسِ البيتِ المنتزَعة. كانت العمّةُ رؤيا وزوجُها حميدٌ هناك أيضاً. وحميدٌ، وهو كهربائيّ، كان قد نزعَ أسلاكَ الجرسِ ليفتحَ البابَ سريعاً وفتحَه على مصراعَيه ليدخلوا البيت.
ومن دونِ أن أُصغيَ إلى كلامِ أحد، وطئتُ فناءَ البيتِ المظلم. صعدتُ الدرجَ الإسمنتيَّ إلى الطابقِ الثاني؛ درجاً ملأت فضاءَه رائحةٌ حادّةٌ لاذعةٌ من الموادِّ الكيميائيّةِ والغبارِ والسُّمِّ القاتل…
مضت قرابةُ ساعتَينِ على تلك الفاجعة؛ ساعتانِ مرّتا عليَّ كقرنَين. غرِقَ فضاءُ بيتِ بيبي فاطمة بعد تلك العاصفةِ الثقيلةِ في صمتٍ مميتٍ برزخيّ. كان أبي نائماً على الفراشِ منهَكاً وجبينُه معصوب، ولم يكن قد أفاقَ تماماً بعد، ولا يدري بما يجري خارجَ الغرفة. أمّا العمّةُ خديجة، بعد التشنّجِ العنيفِ الذي مرَّ بها، فكانت منكمشةً في زاويةِ الصالةِ بوجهٍ شاحبٍ وعينَينِ بلا بريق. كان تأنيبُ الضميرِ وثِقَلُ التُّهَمِ التي رُمِيَت بها أمّي قد ترسّبا كغبارٍ رماديٍّ على وجوهِ الأهلِ جميعاً. لم ينبس أحدٌ بكلمة؛ وكأنّ الجميعَ ينتظرون شرارةً أخرى ليتحطّموا من جديد.
وفجأةً، مزّقَ رنينُ هاتفِ الطاولةِ صمتَ الصالةِ الخانق.
انتفضنا جميعاً من الرعب. ركضت العمّةُ خديجة بيدَينِ ما زالتا ترتعشانِ نحوَ الهاتفِ ورفعت السمّاعة. وما إن سمِعَت الصوتَ على الطرفِ الآخرِ حتّى ابيضَّ وجهُها كالجِصِّ بلا دم. بقيَ فمُها مفتوحاً، وكأنّ الهواءَ لا يكفيها للتنفّس. وبصوتٍ كأنّه يخرجُ من قاعِ بئر، صرخت متوسّلةً مرّاتٍ عدّة: «لا… انتظري! مرضيّة؟ مرضيّة أنتِ؟… مرضيّة! مرضيّة!»
أفلتت السمّاعةُ من يدِ العمّةِ المرتعشةِ وسقطت على الجهاز. التفتت بصوتٍ مذعورٍ متقطّعٍ إلى سينا والعمِّ نادرٍ وصرخت: «هيّا بسرعة… كانت مرضيّة… قالت تعالوا خذوني، أوصلوني… لستُ بخيرٍ أبداً!»
عمَّ بيتَ بيبي هرجٌ وصخبٌ غريب. كان الجميعُ يدورون حولَ أنفسِهم مذعورين، وقد أدركوا للتوِّ أنّه ما كان ينبغي أن يرفعوا أعينَهم عن أمّي ولو ثانيةً واحدة. وفي وسطِ ذلك الصخبِ، انهالَ على صدري ثِقَلُ جبلٍ من الذنب. كان جسدي كلُّه يرتجفُ من الهلع. واعترفتُ بصوتٍ باكٍ مرتجف: «يا عمّة… أمّي طلبت منّي مفاتيحَ البيت… وأنا… أنا أعطيتُها المفاتيح!»
استدارت العمّةُ خديجةُ نحوي بعينَينِ مترعتَينِ بالرعبِ والغضب، وهزّت كتفَيَّ وصرخت: «أخطأتَ يا ولدي! أخطأت! والآنَ بماذا أُجيبُ أباك؟ لو أصابت أمُّكَ نفسَها بسوءٍ لا سمحَ الله، فأيَّ ترابٍ أحثو على رأسي؟»
بكلماتِ العمّةِ انهارت السماءُ فوق رأسي وأظلمت الدنيا أمام عينَيَّ. تمنّيتُ لو تنشقُّ الأرضُ فتبتلعَني. خطرَ لي أن أهربَ من البيت. كانت أختايَ المذعورتانِ فائزة ومريمُ الصغيرةُ تُحدّقانِ بي بعينَينِ مترعتَينِ بالخوفِ والشفقة؛ نظرةٌ كان ثِقَلُها كمحكمةٍ عادلةٍ تُدينُ براءتي ذاتَ الثلاثةَ عشرَ عاماً.
تهيّأ الكبارُ مسرعينَ للخروجِ إلى بيتِنا. ولئلّا نُعرقلَهم أو نُثيرَ الفوضى في الفناء، أدخلوني أنا وفائزة ومريم إلى إحدى الغرفِ الخلفيّةِ وأقفلوا البابَ علينا من الخارج. وبقيت سارة والعمّةُ پروين وحدَهما في البيتِ لترعيانا وترعيا أبانا الفاقدَ للوعي.
كان الوقتُ يمضي بمشقّة. كنتُ أسمعُ دقّاتِ قلبي المتسارعةَ في صدري. كان احتمالُ ذلك الجدارِ الرباعيِّ المقفلِ وانقطاعُ خبرِ أمّي مستحيلاً عليّ. كانت ساقايَ ترتعشان، لكنّ إرادتي في الذهابِ كانت حاسمة. ولمّا رقَّ قلبُ سارةَ لحالِنا ورأت دموعي المتوسّلة، فتحت القفلَ سرّاً، لكنّها اشترطت بصوتٍ مرتجف: «محسن… باللهِ عليك اذهب، لكن لا تقل لأبيك شيئاً عن ذهابِ مرضيّة.»
لم أنتظر كلمةً أخرى. وعلى الرغمِ من اعتراضِ العمّةِ پروين وسارة، اندفعتُ خارجَ بابِ البيت.
لم يكن في جيبي قرشٌ واحدٌ لأركبَ سيّارةَ أجرة. كانت يدي اليمنى خاويةً وأثرُ الجرحِ في سبّابتي ما زال يحترقُ من ضغطِ ذلك المفتاحِ اللعين. بدأتُ أركض. كان الدربُ الترابيُّ المؤدّي إلى حيِّ غُلستان ملتهباً تحت شمسِ العصرِ الحارقة، لكنّي ركضتُ المسافةَ كلَّها — أربعةَ كيلومتراتٍ حتّى بيتِنا — بلا حذاء، بقدمَينِ حافيتَين. كنتُ ألهث، ورئتايَ تحترقانِ من غبارِ الطريق، ولم أكن أشعرُ بلسعِ باطنِ قدمَيَّ على الإسفلتِ الساخن. الصورةُ الوحيدةُ التي كانت تضطربُ في ذهني هي وجهُ أمّي المشوّشُ في الفناءِ الخلفيّ. كنتُ أتوسّلُ في نفسي: «يا ربّ… فقط اجعل أمّي بخير. هذا كلُّ ما أريد.»
ولمّا بلغتُ أوّلَ زقاقِنا في حيِّ غُلستان، كبّلَ كلَّ أوصالي خوفٌ يشلُّ الحركة. كان زقاقُنا مزدحماً غارقاً في الحركة. تجمّعَ الجيرانُ أمام بابِ بيتِنا يتهامسون.
هوى قلبي. عبرتُ بين الحشدِ مذعوراً بقدمَينِ لم يبقَ فيهما رمقٌ للركض. وفجأةً تجمّدتُ. كانت سيّارةُ إسعافٍ بيضاءُ متوقّفةً أمام الباب. رأيتُ العمّةَ خديجةَ تضربُ رأسَها بلا رحمةٍ في هيكلِ الإسعافِ المعدنيِّ من شدّةِ الألمِ وجنونِ الندم، وتصرخُ بعويلٍ وأنينٍ يحرقُ الروح: «مرضيّة!… مرضيّة!… سامحيني يا مرضيّة!»
انطلقَ صفّارُ الإسعافِ بضجيجٍ مروِّعٍ وعويلٍ يصمُّ الآذان، وتحرّكت السيّارةُ من بين الحشدِ الغاضبِ الفضوليِّ وابتعدت. تصبّبَ على جبيني عرقٌ بارد وغامَ بصري. استدارت نحوي نظراتُ الجيرانِ الثقيلةُ الممزوجةُ بالشفقة؛ إلى صبيٍّ حافٍ بقدمَينِ جريحتَين يقفُ على العتبةِ ويُحدّقُ في أسلاكِ جرسِ البيتِ المنتزَعة. كانت العمّةُ رؤيا وزوجُها حميدٌ هناك أيضاً. وحميدٌ، وهو كهربائيّ، كان قد نزعَ أسلاكَ الجرسِ ليفتحَ البابَ سريعاً وفتحَه على مصراعَيه ليدخلوا البيت.
ومن دونِ أن أُصغيَ إلى كلامِ أحد، وطئتُ فناءَ البيتِ المظلم. صعدتُ الدرجَ الإسمنتيَّ إلى الطابقِ الثاني؛ درجاً ملأت فضاءَه رائحةٌ حادّةٌ لاذعةٌ من الموادِّ الكيميائيّةِ والغبارِ والسُّمِّ القاتل…
## القسمُ السادس: رائحةُ الموتِ العَفِصةُ والعَقِبُ المهشَّم
بقدمَينِ لم تعودا تحملانِ ثِقَلَ جسدي إلّا بمشقّةٍ من شدّةِ الهلعِ والإنهاك، صعدتُ الدرجَ الإسمنتيّ. كانت كلُّ خطوةٍ أثقلَ من التي قبلَها. بلغتُ الطابقَ الثاني؛ المكانَ الذي أقامت فيه أمّي بألفِ أملٍ وأمنيةٍ صالونَ تجميلٍ صغيراً لعملِها. لكنّ تلك الغرفةَ لم تعُد ملاذَ الألوانِ وعطرِ الشامبو والجمال.
كان الصالونُ في فوضى مروِّعةٍ ومبعثراً، وكأنّ عاصفةً عمياءَ عبَرَته. كان الكرسيُّ الجلديُّ المقابلُ للمرآةِ الكبيرةِ مقلوباً وقد سقطَ على الأرضِ بلا رحمة. وتناثرَ حولَه شيءٌ من موادِّ التجميلِ وقواريرِ صبغةِ الشعر؛ سوائلُ كثيفةٌ ملوّنةٌ تزحفُ الآنَ على أرضيّةِ الغرفةِ كصديدٍ مشؤوم.
كانت رائحةٌ حادّةٌ خانقةٌ لاذعةٌ تحرقُ حلقي. تجمّدَ بصري على البقعِ الداكنةِ والقواريرِ الفارغة. يا إلهي… لقد استخدمت أمّي تلك الموادَّ السامّةَ نفسَها، الموادَّ الكيميائيّةَ الخطِرةَ لصبغةِ الشعر، لتُنهيَ بها حياتَها. الموادَّ نفسَها التي كانت تُحذّرُنا منها نحن الأطفالَ دائماً بحنانٍ وقلقِ الأمّهات، وتقولُ ابتعدوا عنها فإنّها سمومٌ قاتلة. والآن، في ذروةِ العجزِ والوحدة، شرِبَتها هي بنفسِها. ارتجفَ جسدي كلُّه؛ نشِبَ الرعبُ المطلقُ في روحي، وتخيّلتُ في جزءٍ من الثانيةِ مستقبلي المظلمَ القاسيَ بلا أمّي وبلا حضنِها.
وفي ما بعد، روى حميدٌ زوجُ عمّتي — وكان أوّلَ من وصلَ إلى أمّي — ذلك المشهدَ المروِّعَ بصوتٍ مرتجف. وجدَها ملقاةً على الأرض، وشعرَها الذي كان دائماً مرتّباً منثوراً حولَها، والزبَدُ يخرجُ من فمِها وأنفِها. قال حميدٌ إنّ الألمَ الناجمَ عن ذلك السمِّ القاتلِ كان يحرقُ الروحَ إلى حدِّ أنّ أمّي، في لحظاتِ مقاومةِ الحياةِ الأخيرة، كانت تضربُ عَقِبَ قدمِها اليمنى في الأرضِ بكلِّ قوّتِها وبلا انقطاع.
كانت المحاولاتُ لإعادتِها إلى هذه الدنيا بلا جدوى. ومع أنّ الأطبّاءَ في المستشفى غسلوا معدةَ أمّي وأمعاءَها سريعاً، فإنّ جسدَها النحيلَ وروحَها المتعَبةَ لم يعودا يقويانِ على احتمالِ آثارِ ذلك السمِّ الذي لا يرحمُ وجراحِه الداخليّة. وأخيراً، في تلك الجمعةِ السوداء، في الخامسِ من أيّار (مايو) ١٩٩٥، أغمضت مرضيّة — أمّي المظلومةُ المعذَّبة — عينَيها إلى الأبدِ عن هذه الدنيا التي لا تُدارِي.
وطوالَ تينك الساعتَينِ أو الثلاثِ المشؤومةِ التي كانت هذه الفواجعُ تُكتَبُ فيها، كان أبي المسكينُ ملقىً فاقدَ الوعيِ على أرضِ الغرفةِ في بيتِ بيبي فاطمة، لا يدري بشيء. ولمّا أفاقَ أخيراً إفاقةً تامّة، سألَ عن زوجتِه بدوارٍ وذهولٍ، حتّى اضطُرَّ من حولَه، بعيونٍ باكيةٍ وشفاهٍ مرتجفة، أن يُخبروه بالحقيقةِ التي انهارت عليه.
انهارَ ذلك الرجلُ الأبيُّ الكتومُ حين سمعَ الخبر. أسرعَ أبي فوراً إلى البيت، وراحَ يصرخُ باسمِ «مرضيّة» ببكاءٍ عالٍ وعويلٍ لم أرَه منه قطُّ إلى ذلك اليوم. فتّشَ البيتَ كلَّه كالمجانين ثمّ ركضَ إلى السطح. كنتُ أنظرُ إليه بذهولٍ ودمعٍ وإحساسٍ بالذنبِ يخنقُني، وأشهدُ عذابَه. وقفَ أبي على السطحِ وصاحَ نحوَ السماء: «مرضيّة! قبل أيّامٍ فقط كنّا معاً نغسلُ سطحَ البيتِ ونكنسُه… أين أنتِ يا عزيزتي؟»
في اليومِ التالي، طلعت الشمسُ على حيِّنا، لكنّ كلَّ شيءٍ كان مظلماً بالنسبةِ إلينا. أُقيمَ مجلسُ الدعاءِ في بيتِنا، وجاء الأهلُ جميعاً بل حتّى الجيرانُ لابسينَ السوادَ إلى المقبرةِ الوحيدةِ في حيِّنا الصغيرِ للدفن. كان أبي قد صار من المرضِ والانكسارِ وسوءِ الحالِ بحيثُ لم يستطع حتّى أن يأتيَ إلى المقبرةِ وأن يحضرَ دفنَ حبيبتِه.
لم يكن هناك سوايَ أنا وأختايَ الصغيرتانِ فائزة ومريم، بين حشدِ المُعزّين. كانوا قد أخذوا أمّي إلى غرفةٍ ليُغسّلوها ويُكفّنوها. كان قلبي ذو الثلاثةَ عشرَ عاماً يدقُّ في صدري؛ وبخوفٍ ووجهٍ غارقٍ في الدمعِ أردتُ أن أراها للمرّةِ الأخيرة.
ولمّا تقدّمتُ لأدخلَ غرفةَ الغسل، منعَتني الحارساتُ في البداية، لكن بإصرارِ نساءِ العائلةِ والجيرانِ وتوسّلِهنّ سمحنَ لي أخيراً بأن أُلقيَ النظرةَ الأخيرةَ على وجهِ أمّي.
دخلتُ الغرفة. كان جسدُ أمّي الجميلُ عارياً أبيضَ كالثلج، ملقىً بلا روح. كانت آثارُ جراحٍ بادِيةً على رأسِها ووجهِها، وعَقِبُ قدمِها اليمنى… ذلك العَقِبُ الذي ضربَته في الأرضِ وهي تصارعُ الموت، كان مهشَّماً.
عند رؤيةِ ذلك المشهدِ طارَ صوابي وانهارت الدنيا فوق رأسي حتّى أطلقتُ صرخةً عالية. غطّيتُ وجهي وعينَيَّ بكلتا يدَيّ، وبصوتٍ يخدشُ حلقي لم أكن أصرخُ إلّا: «أمّي… أمّي…» وأخرجَتني النساءُ الحاضراتُ في الغرفةِ إلى الخارجِ وأنا على تلك الحالِ من الجنون.
كنتُ أرتجف. أرتجفُ كصفصافةٍ في ريحِ الشتاء. لجأتُ إلى بقيّةِ المُعزّينَ الذين كانوا يندبون على مبعدةٍ قليلة. أربكَني بكائي الذي لا يتوقّف، وفي وسطِ ذلك الصخبِ كلِّه، غرِقت أفكاري في عمقِ بحرٍ مظلمٍ من مستقبلٍ بلا أمّي؛ مستقبلٍ لم أكن أدري كيف يُحمَلُ من دونِها، بين هؤلاءِ الناس…
بقدمَينِ لم تعودا تحملانِ ثِقَلَ جسدي إلّا بمشقّةٍ من شدّةِ الهلعِ والإنهاك، صعدتُ الدرجَ الإسمنتيّ. كانت كلُّ خطوةٍ أثقلَ من التي قبلَها. بلغتُ الطابقَ الثاني؛ المكانَ الذي أقامت فيه أمّي بألفِ أملٍ وأمنيةٍ صالونَ تجميلٍ صغيراً لعملِها. لكنّ تلك الغرفةَ لم تعُد ملاذَ الألوانِ وعطرِ الشامبو والجمال.
كان الصالونُ في فوضى مروِّعةٍ ومبعثراً، وكأنّ عاصفةً عمياءَ عبَرَته. كان الكرسيُّ الجلديُّ المقابلُ للمرآةِ الكبيرةِ مقلوباً وقد سقطَ على الأرضِ بلا رحمة. وتناثرَ حولَه شيءٌ من موادِّ التجميلِ وقواريرِ صبغةِ الشعر؛ سوائلُ كثيفةٌ ملوّنةٌ تزحفُ الآنَ على أرضيّةِ الغرفةِ كصديدٍ مشؤوم.
كانت رائحةٌ حادّةٌ خانقةٌ لاذعةٌ تحرقُ حلقي. تجمّدَ بصري على البقعِ الداكنةِ والقواريرِ الفارغة. يا إلهي… لقد استخدمت أمّي تلك الموادَّ السامّةَ نفسَها، الموادَّ الكيميائيّةَ الخطِرةَ لصبغةِ الشعر، لتُنهيَ بها حياتَها. الموادَّ نفسَها التي كانت تُحذّرُنا منها نحن الأطفالَ دائماً بحنانٍ وقلقِ الأمّهات، وتقولُ ابتعدوا عنها فإنّها سمومٌ قاتلة. والآن، في ذروةِ العجزِ والوحدة، شرِبَتها هي بنفسِها. ارتجفَ جسدي كلُّه؛ نشِبَ الرعبُ المطلقُ في روحي، وتخيّلتُ في جزءٍ من الثانيةِ مستقبلي المظلمَ القاسيَ بلا أمّي وبلا حضنِها.
وفي ما بعد، روى حميدٌ زوجُ عمّتي — وكان أوّلَ من وصلَ إلى أمّي — ذلك المشهدَ المروِّعَ بصوتٍ مرتجف. وجدَها ملقاةً على الأرض، وشعرَها الذي كان دائماً مرتّباً منثوراً حولَها، والزبَدُ يخرجُ من فمِها وأنفِها. قال حميدٌ إنّ الألمَ الناجمَ عن ذلك السمِّ القاتلِ كان يحرقُ الروحَ إلى حدِّ أنّ أمّي، في لحظاتِ مقاومةِ الحياةِ الأخيرة، كانت تضربُ عَقِبَ قدمِها اليمنى في الأرضِ بكلِّ قوّتِها وبلا انقطاع.
كانت المحاولاتُ لإعادتِها إلى هذه الدنيا بلا جدوى. ومع أنّ الأطبّاءَ في المستشفى غسلوا معدةَ أمّي وأمعاءَها سريعاً، فإنّ جسدَها النحيلَ وروحَها المتعَبةَ لم يعودا يقويانِ على احتمالِ آثارِ ذلك السمِّ الذي لا يرحمُ وجراحِه الداخليّة. وأخيراً، في تلك الجمعةِ السوداء، في الخامسِ من أيّار (مايو) ١٩٩٥، أغمضت مرضيّة — أمّي المظلومةُ المعذَّبة — عينَيها إلى الأبدِ عن هذه الدنيا التي لا تُدارِي.
وطوالَ تينك الساعتَينِ أو الثلاثِ المشؤومةِ التي كانت هذه الفواجعُ تُكتَبُ فيها، كان أبي المسكينُ ملقىً فاقدَ الوعيِ على أرضِ الغرفةِ في بيتِ بيبي فاطمة، لا يدري بشيء. ولمّا أفاقَ أخيراً إفاقةً تامّة، سألَ عن زوجتِه بدوارٍ وذهولٍ، حتّى اضطُرَّ من حولَه، بعيونٍ باكيةٍ وشفاهٍ مرتجفة، أن يُخبروه بالحقيقةِ التي انهارت عليه.
انهارَ ذلك الرجلُ الأبيُّ الكتومُ حين سمعَ الخبر. أسرعَ أبي فوراً إلى البيت، وراحَ يصرخُ باسمِ «مرضيّة» ببكاءٍ عالٍ وعويلٍ لم أرَه منه قطُّ إلى ذلك اليوم. فتّشَ البيتَ كلَّه كالمجانين ثمّ ركضَ إلى السطح. كنتُ أنظرُ إليه بذهولٍ ودمعٍ وإحساسٍ بالذنبِ يخنقُني، وأشهدُ عذابَه. وقفَ أبي على السطحِ وصاحَ نحوَ السماء: «مرضيّة! قبل أيّامٍ فقط كنّا معاً نغسلُ سطحَ البيتِ ونكنسُه… أين أنتِ يا عزيزتي؟»
في اليومِ التالي، طلعت الشمسُ على حيِّنا، لكنّ كلَّ شيءٍ كان مظلماً بالنسبةِ إلينا. أُقيمَ مجلسُ الدعاءِ في بيتِنا، وجاء الأهلُ جميعاً بل حتّى الجيرانُ لابسينَ السوادَ إلى المقبرةِ الوحيدةِ في حيِّنا الصغيرِ للدفن. كان أبي قد صار من المرضِ والانكسارِ وسوءِ الحالِ بحيثُ لم يستطع حتّى أن يأتيَ إلى المقبرةِ وأن يحضرَ دفنَ حبيبتِه.
لم يكن هناك سوايَ أنا وأختايَ الصغيرتانِ فائزة ومريم، بين حشدِ المُعزّين. كانوا قد أخذوا أمّي إلى غرفةٍ ليُغسّلوها ويُكفّنوها. كان قلبي ذو الثلاثةَ عشرَ عاماً يدقُّ في صدري؛ وبخوفٍ ووجهٍ غارقٍ في الدمعِ أردتُ أن أراها للمرّةِ الأخيرة.
ولمّا تقدّمتُ لأدخلَ غرفةَ الغسل، منعَتني الحارساتُ في البداية، لكن بإصرارِ نساءِ العائلةِ والجيرانِ وتوسّلِهنّ سمحنَ لي أخيراً بأن أُلقيَ النظرةَ الأخيرةَ على وجهِ أمّي.
دخلتُ الغرفة. كان جسدُ أمّي الجميلُ عارياً أبيضَ كالثلج، ملقىً بلا روح. كانت آثارُ جراحٍ بادِيةً على رأسِها ووجهِها، وعَقِبُ قدمِها اليمنى… ذلك العَقِبُ الذي ضربَته في الأرضِ وهي تصارعُ الموت، كان مهشَّماً.
عند رؤيةِ ذلك المشهدِ طارَ صوابي وانهارت الدنيا فوق رأسي حتّى أطلقتُ صرخةً عالية. غطّيتُ وجهي وعينَيَّ بكلتا يدَيّ، وبصوتٍ يخدشُ حلقي لم أكن أصرخُ إلّا: «أمّي… أمّي…» وأخرجَتني النساءُ الحاضراتُ في الغرفةِ إلى الخارجِ وأنا على تلك الحالِ من الجنون.
كنتُ أرتجف. أرتجفُ كصفصافةٍ في ريحِ الشتاء. لجأتُ إلى بقيّةِ المُعزّينَ الذين كانوا يندبون على مبعدةٍ قليلة. أربكَني بكائي الذي لا يتوقّف، وفي وسطِ ذلك الصخبِ كلِّه، غرِقت أفكاري في عمقِ بحرٍ مظلمٍ من مستقبلٍ بلا أمّي؛ مستقبلٍ لم أكن أدري كيف يُحمَلُ من دونِها، بين هؤلاءِ الناس…
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
المحتويات
يُعزف الآن
انقر لتشغيل الصوت
هل تستمتع بالحكاية؟
وصلت إلى نهاية المعاينة المجانية. ادعم الكاتب بمبلغ A$3.00 ليُفتح لك بقية الكتاب — ويصل المبلغ إليه مباشرةً.
دفع آمن — Apple Pay أو Google Pay أو البطاقة.
لقد أنهيت للتوّ فصلًا.
جلس أحدهم وكتب هذا. إن كان يستحق وقتك، فقُل له — والمبلغ يصل إليه مباشرةً.
Apple Pay أو Google Pay أو البطاقة — بنقرة واحدة.