✦ قصة حقيقية
حكاية المؤسِّس — الجزء الثاني
رواية قصيرة وحقيقية — بقلم الفنان نفسه.
❦ النهاية
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
كُتب هذا الكتاب ونُشر هنا — وكتابك يمكنه ذلك أيضًا.
انشر كتابك أنتتمهيد: جذورٌ في ترابِ النجف
لطالما قيل إنّ الخيوطَ لا تكذب.
قبل أن تربطَ المحيطاتُ التائهةُ، والقواربُ المحطَّمةُ، والحدودُ الشائكةُ، قدَرَنا بترابِ أستراليا، كان كلُّ شيءٍ قد بدأ في فناءٍ صغيرٍ مفروشٍ بالطين، في بيتٍ على أطرافِ مدينةِ النجفِ العتيقة. امرأةٌ وقورٌ راسخةٌ اسمُها بيبي فاطمة، كانت في كلِّ يومٍ قبل انبلاجِ الفجر، وقبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذِّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، تجثو على ركبتَيها وتُديرُ أصابعَها المتعَبةَ على المغازلِ التقليديّة — تلك المكّوكات.
لم تكن حركةُ تلك المغازلِ الإيقاعيّةُ مجرّدَ سبيلٍ لكسبِ الرزقِ وإدارةِ عجلةِ حياةِ امرأةٍ وحيدةٍ لا سندَ لها في قلبِ الفقرِ والخناقِ العراقيّ؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً على دروبِ التاريخِ الموجِعة، وأن تُولَدَ من جديد، وأن تنجوَ من بين رمادِ الحروبِ والأَسْر.
هذا الكتابُ روايةٌ واقعيّةٌ تماماً، كُتِبت ببناءٍ ومعالجةٍ سينمائيّة (Cinematic Non-Fiction)؛ روايةٌ عن زمنٍ كان فيه «ظاهر» (أبي) لا يزالُ شابّاً هادئاً متأمِّلاً في صيدليّةٍ صغيرةٍ في النجف؛ زمنٍ لم يكن قد صِيغَ فيه بعدُ ذلك المفتاحُ المشؤومُ لعامي الثالثَ عشر، وكانت جذورُ آلِ الموسويّ لا تزالُ تتنفّسُ في ترابِ النجف.
________________________________________
> 📌 ملاحظةٌ من المؤلِّف حول الأسماءِ والتفاصيل: حفاظاً على الحقوقِ المعنويّة، واحتراماً لخصوصيّةِ الأشخاص، ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّة، جرى في هذا العملِ تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذِكرُها بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ الحقيقيُّ لحياتِنا، وقد صُقِلَ بسحرِ القلمِ والمعالجةِ الروائيّة.
________________________________________
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلم محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو مسرحيّةٍ أو إنتاجٍ صوتيٍّ أو بودكاست أو إعادةِ إنشاءٍ بالذكاءِ الاصطناعيّ أو ترجمةٍ إلى لغاتٍ أخرى، من دونِ إذنٍ خطّيٍّ رسميٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، وللمؤلِّفِ حقُّ الملاحقةِ القانونيّةِ والدوليّة.
قبل أن تربطَ المحيطاتُ التائهةُ، والقواربُ المحطَّمةُ، والحدودُ الشائكةُ، قدَرَنا بترابِ أستراليا، كان كلُّ شيءٍ قد بدأ في فناءٍ صغيرٍ مفروشٍ بالطين، في بيتٍ على أطرافِ مدينةِ النجفِ العتيقة. امرأةٌ وقورٌ راسخةٌ اسمُها بيبي فاطمة، كانت في كلِّ يومٍ قبل انبلاجِ الفجر، وقبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذِّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، تجثو على ركبتَيها وتُديرُ أصابعَها المتعَبةَ على المغازلِ التقليديّة — تلك المكّوكات.
لم تكن حركةُ تلك المغازلِ الإيقاعيّةُ مجرّدَ سبيلٍ لكسبِ الرزقِ وإدارةِ عجلةِ حياةِ امرأةٍ وحيدةٍ لا سندَ لها في قلبِ الفقرِ والخناقِ العراقيّ؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً على دروبِ التاريخِ الموجِعة، وأن تُولَدَ من جديد، وأن تنجوَ من بين رمادِ الحروبِ والأَسْر.
هذا الكتابُ روايةٌ واقعيّةٌ تماماً، كُتِبت ببناءٍ ومعالجةٍ سينمائيّة (Cinematic Non-Fiction)؛ روايةٌ عن زمنٍ كان فيه «ظاهر» (أبي) لا يزالُ شابّاً هادئاً متأمِّلاً في صيدليّةٍ صغيرةٍ في النجف؛ زمنٍ لم يكن قد صِيغَ فيه بعدُ ذلك المفتاحُ المشؤومُ لعامي الثالثَ عشر، وكانت جذورُ آلِ الموسويّ لا تزالُ تتنفّسُ في ترابِ النجف.
________________________________________
> 📌 ملاحظةٌ من المؤلِّف حول الأسماءِ والتفاصيل: حفاظاً على الحقوقِ المعنويّة، واحتراماً لخصوصيّةِ الأشخاص، ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّة، جرى في هذا العملِ تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذِكرُها بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ الحقيقيُّ لحياتِنا، وقد صُقِلَ بسحرِ القلمِ والمعالجةِ الروائيّة.
________________________________________
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلم محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو مسرحيّةٍ أو إنتاجٍ صوتيٍّ أو بودكاست أو إعادةِ إنشاءٍ بالذكاءِ الاصطناعيّ أو ترجمةٍ إلى لغاتٍ أخرى، من دونِ إذنٍ خطّيٍّ رسميٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، وللمؤلِّفِ حقُّ الملاحقةِ القانونيّةِ والدوليّة.
الفصلُ الأوّل: بيتُ السادةِ وشرارةٌ في الزنزانة
## ١. عبقُ الخُمسِ والزكاةِ في بيتِ السادة
كانت أزقّةُ النجفِ الترابيّةُ المتعرّجةُ تحترقُ تحت شمسِ الباديةِ اللاهبة، غير أنّ في نهايةِ أحدِ دروبِها المسدودةِ الهادئة بيتاً كان ظلُّه يختلفُ عن ظلِّ الحيِّ كلِّه.
جدرانُه المبنيّةُ من الطينِ والتبنِ والمُكسوّةُ بالجصِّ الأبيض كانت ملاذَ أسرةٍ من نسلِ السادةِ الأطهار. وفي نجفِ ذلك الزمان، كان أهلُ الحيِّ المتديّنون المؤمنون يُكِنّون لآلِ الموسويِّ احتراماً مَهيباً. بيبي فاطمة — تلك المرأةُ الوقورُ التي فقدَت زوجَها الشابَّ «محسن» قبل سنوات — كانت تُدير عجلةَ هذه الحياةِ إلى جانبِ زوجِها الشفيقِ سِدمير، أخي زوجِها الراحل، الذي غدا بمروءتِه الإنسانيّةِ ظلاًّ يستظلُّ به اليتامى.
أمّا البيتُ الذي كانوا يتنفّسون فيه، فكان هديّةَ أهلِ المحلّةِ وبركةَ موائدِهم. كان المؤمنون يُقدّمون خُمسَ أموالِهم وزكاتَها بفخرٍ وخشوعٍ إلى هذه الأسرةِ العلويّة، ليكونَ بركةُ دعاءِ بيبي فاطمة ونسلِها المطهَّرِ نوراً يُضيءُ حيَّهم. وفي فناءِ البيتِ الصغير، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، كانت تُبسَطُ مائدةٌ خبزُها من احترامِ الناس، وإدامُها من محبّةِ أهلِ الديار. وكانت بيبي فاطمة، في عتمةِ السَّحَرِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، تُدير مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّة، لتصونَ — إلى جانبِ ذلك الحبِّ الشعبيِّ — كبرياءَ أسرتِها واستقلالَها.
أمّا الابنُ الأكبرُ للبيت، ظاهر، فكان فتىً مُطرِقاً متأمِّلاً عفيفَ النظر، يعملُ في صيدليّةِ الحيّ. عرفَه الجميعُ بنجابتِه وعلمِه. لكن خلفَ ذلك المُحيّا الهادئِ الرزين، كانت تنبضُ روحٌ قلِقةٌ ظامئةٌ إلى معرفةِ العالمِ الذي وراءَ الأسوار.
[[break]]
## ٢. لهفةُ الدروب؛ من باديةِ الشامِ إلى تخومِ إسطنبول
على خلافِ ما ظنَّه الجميعُ حين رأوا في ظاهرٍ فتىً قعيدَ البيت، كان عاشقاً لا حدَّ لعشقِه للسفرِ والطرقات. احترقَت شبيبتُه في ظمأٍ إلى رؤيةِ الآفاقِ البعيدة. وكلّما سنحَت له فرصةٌ وادّخرَ بضعةَ دنانير، شدَّ صُرّتَه الصغيرةَ ليلمسَ غربةَ المدنِ الأخرى وجمالَها.
كان أعظمُ ما يجذبُه من أسفارٍ في البدايةِ بلادَ الشامِ ومدينةَ دمشقَ العتيقة. كان يمضي الأيّامَ يمشي بين أسواقِ سوريّةَ المسقوفة، إلى جوارِ المزاراتِ المقدّسة، وبين عبقِ الليمونِ وياسمينِ دمشق، يجالسُ الغرباءَ ويُحاورُهم، فيمدُّ أفقَ فكرِه إلى ما وراءَ أسوارِ النجف.
لكنّ شهيّتَه لاكتشافِ الدنيا لم تقف عند سوريّة؛ فكانت خطوتُه التاليةَ رحلةً إلى قلبِ الإمبراطوريّةِ العتيقة: تركيا. مضى ظاهرٌ إلى الدروبِ الشماليّة. وكان في مشاهدةِ عمارةِ إسطنبول، والحقولِ الخضراءِ الممتدّة، ودراما التقاءِ الشرقِ بالغربِ في تركيا، ما قلبَ روحَ هذا الفتى النجفيِّ رأساً على عقب. رأى العالمَ أوسعَ من خُنقةِ العراق، وذاقَ في كلِّ خطوةٍ طعمَ الحريّةِ والتنفّسِ في هواءٍ غريب.
غير أنّ أحداً في البيتِ لم يكن يعلمُ أنّ هذه الرحلةَ العذبةَ إلى تركيا ستكونُ مقدّمةً لواحدةٍ من أفظعِ مآسي حياتِه...
[[break]]
## ٣. كمينُ العودة؛ شِباكُ صيدِ البعثيّين
في غروبِ يومٍ مغبَرّ، وبعد أسابيعَ من التجوالِ في دروبِ سوريّةَ وتركيا، وطئَ ظاهرٌ ترابَ العراقِ بصُرّةٍ مملوءةٍ بالذكريات وذهنٍ مكتظٍّ بصورةِ العالمِ الحرّ، عائداً إلى حضنِ بيتِ بيبي فاطمة.
ولم يكن قد ابتعدَ سوى بضعةِ كيلومتراتٍ عن نقطةِ التفتيشِ الحدوديّة، حتّى اعترضَت طريقَه فجأةً سيّارتان عسكريّتان لنظامِ البعث، في سيلٍ من الغبارِ وصريرٍ ناشزٍ للمكابح. نزلَ العناصرُ البعثيّون بأحذيتِهم الثقيلةِ ووجوهِهم القاسية، وأحاطوا بالفتى ظاهر.
كانت التهمةُ الأولى بسيطةً وقاتلةً في آنٍ واحد: «مشتبهٌ بالتهرّبِ من الخدمةِ العسكريّة!»
ظنَّ البعثيّون أنّ ظاهراً شابٌّ عراقيٌّ فرَّ إلى تركيا تملّصاً من الخدمةِ في جيشِ صدّام. أخرجَ ظاهرٌ بكاملِ رزانتِه وبرودِ أعصابِه أوراقَ هويّتِه ليُثبتَ أنّه لا غبارَ عليه؛ غير أنّ التدقيقَ في الأوراقِ كشفَ لعناصرِ السلطةِ المرتابين سرّاً أشدَّ وطأة: أصلَ آلِ الموسويِّ وجذرَهم الإيرانيّ!
وما إن أدركَ العناصرُ أنّ في عروقِ هذا الفتى العلويِّ دماً إيرانيّاً، حتّى انقلبَ خطابُهم ومعاملتُهم مئةً وثمانين درجة. فبمقتضى قوانينِ نظامِ البعثِ العنصريّة، كانت الخدمةُ العسكريّةُ محرّمةً على الرعايا والتابعين الأجانب؛ فسقطَت تهمةُ «التهرّبِ من الخدمة»، لكن حلَّ محلَّها خطرٌ أشدُّ سواداً بما لا يُقاس: تهمةُ التجسّسِ والانتماءِ إلى الأجانب!
لم يعاملوه بوصفِه مواطناً، بل بوصفِه «إيرانيَّ الأصلِ مشبوهاً» سافرَ إلى تركيا وسوريّة؛ فأنزلوا به السياطَ والشتائم، وألقَوه — بلا سببٍ قانونيٍّ ولا حكمِ محكمة — في صندوقِ شاحنةٍ حديديّة، ومضَوا به إلى واحدٍ من أشدِّ سجونِ البعثِ رهبةً.
[[break]]
## ٤. ستّةُ أشهرٍ في جحيمِ الحقدِ والعنصريّة
هكذا قُذِفَ ظاهرُ الفتى، فجأةً، من حضنِ بيتِ السادةِ الدافئِ وعبقِ ياسمينِ دمشق، إلى قعرِ زنزانةٍ مظلمةٍ رطبةٍ خانقة. زنزانةٍ ابتلعَته ستّةَ أشهرٍ كاملة.
«بعد سنواتٍ طوال، في البيتِ الصغيرِ المتواضعِ الذي استأجرَه أبي ظاهرٌ في غربِ سيدني، كان قد صار رجلاً عليلاً مُتعَباً هشَّ الروح، سلبَته أثقالُ الغربةِ والتشرّدِ قامتَه وقوّتَه. في ركنِ بيتِه الخالي البسيط، حين كان يُشعلُ سيجارةً بيدَين مرتعشتَين، ويُحدّقُ في زاويةٍ ما بتنهيدةٍ عميقةٍ تهزُّ أوصالَه، كان يُحدّثُني — بصوتٍ مكسورٍ ما زال بعد عقودٍ تفوحُ منه رائحةُ الجرح — عن تلك الأشهرِ الستّةِ من كابوسِ التعذيبِ والعنصريّةِ في زنازينِ البعث...»
حدَّثني عن تعذيبٍ لا يرحم. عن ليالٍ كانت تتردّدُ فيها، في ظلمةِ الزنزانةِ المطبقة، أنّاتُ المعذَّبين وصرخاتُهم تحت السياطِ وتوسّلاتُ السجناءِ الأبرياء، في ممرّاتِ السجنِ الحجريّة، فتسلبُ النومَ من عينَيه. كان مرتزقةُ البعثِ يحملون حقداً عنصريّاً بلا حدودٍ على من كان إيرانيَّ الأصل. وكانوا يُنزلون بظاهرٍ يوميّاً — لمجرّدِ دمِه ونسبِه — أقسى صنوفِ الأذى والإذلالِ الجسديِّ والنفسيّ.
كان كلُّ يومٍ في ذلك السجنِ يمرُّ كسنةٍ كاملة. فظاهرٌ، الفتى الأنيقُ المُولَعُ بالسفر، الذي كان بالأمسِ يتمشّى في أسواقِ إسطنبول، صار اليومَ يجلسُ بجسدٍ مُثخَنٍ وثوبٍ بالٍ على أرضِ الزنزانةِ الرطبة، شاهداً على قسوةِ حكمِ صدّامٍ العارية.
[[break]]
## ٥. شرارةُ الفرارِ في قلبِ العتمة
في تلك الأشهرِ الستّةِ المشؤومةِ ذاتِها، حين كان ظاهرٌ ملقىً على أرضِ السجنِ الباردةِ يسمعُ عويلَ المعذَّبين من الزنازينِ المجاورة، جرى في روحِه ونفسِه تحوّلٌ جذريّ.
أدركَ أنّه لم يبقَ في هذا الترابِ موضعٌ للأمانةِ ولا للعزّةِ ولا لحياةِ الشرفاء. وأدركَ أنّ وجودَ أسرتِه في النجفِ قائمٌ فوق مخزنِ بارودٍ من الحقدِ والعنصريّة، قد يُشعلُ بيتَ السادةِ في أيّةِ لحظة.
وفي إحدى تلك الليالي السودِ في السجنِ بالذات، حين رفعَ يدَيه الجريحتَين داعياً إلى سقفِ الزنزانةِ الندِيّ، لمعَت في ذهنِه أوّلُ شراراتِ فكرةِ الفرارِ من العراقِ إلى إيران.
وعاهدَ نفسَه قائلاً: «إن خرجتُ من هذا الجحيمِ حيّاً، فلن أبقى في هذا البلدِ ثانيةً واحدةً بعدُ. لا بدّ أن أجدَ سبيلاً للفرارِ إلى إيران...»
وبعد ستّةِ أشهرٍ من انقطاعِ الخبر، تمكّنَت بيبي فاطمة وسِدمير — بالرشوةِ وبالتوسّلِ إلى المسؤولين — من تسلّمِ جسدِ ظاهرٍ المُنهَكِ المكسورِ من السجنِ وإعادتِه إلى البيت.
عادَ ظاهرٌ إلى البيت؛ لكنّ الفتى الذي خرجَ من السجنِ لم يعُد ذاك الإنسانَ الذي كانَه. كانت في عينَيه نظرةٌ عازمةٌ مُرّةٌ يكتنفُها السرّ. لقد صنعَ مفتاحَ الفرارِ في قلبِه، وآنَ الأوانُ الآن لتطرحَ بيبي فاطمة خطّةَ خطبةِ مرضيّة من إيران...
كانت أزقّةُ النجفِ الترابيّةُ المتعرّجةُ تحترقُ تحت شمسِ الباديةِ اللاهبة، غير أنّ في نهايةِ أحدِ دروبِها المسدودةِ الهادئة بيتاً كان ظلُّه يختلفُ عن ظلِّ الحيِّ كلِّه.
جدرانُه المبنيّةُ من الطينِ والتبنِ والمُكسوّةُ بالجصِّ الأبيض كانت ملاذَ أسرةٍ من نسلِ السادةِ الأطهار. وفي نجفِ ذلك الزمان، كان أهلُ الحيِّ المتديّنون المؤمنون يُكِنّون لآلِ الموسويِّ احتراماً مَهيباً. بيبي فاطمة — تلك المرأةُ الوقورُ التي فقدَت زوجَها الشابَّ «محسن» قبل سنوات — كانت تُدير عجلةَ هذه الحياةِ إلى جانبِ زوجِها الشفيقِ سِدمير، أخي زوجِها الراحل، الذي غدا بمروءتِه الإنسانيّةِ ظلاًّ يستظلُّ به اليتامى.
أمّا البيتُ الذي كانوا يتنفّسون فيه، فكان هديّةَ أهلِ المحلّةِ وبركةَ موائدِهم. كان المؤمنون يُقدّمون خُمسَ أموالِهم وزكاتَها بفخرٍ وخشوعٍ إلى هذه الأسرةِ العلويّة، ليكونَ بركةُ دعاءِ بيبي فاطمة ونسلِها المطهَّرِ نوراً يُضيءُ حيَّهم. وفي فناءِ البيتِ الصغير، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، كانت تُبسَطُ مائدةٌ خبزُها من احترامِ الناس، وإدامُها من محبّةِ أهلِ الديار. وكانت بيبي فاطمة، في عتمةِ السَّحَرِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، تُدير مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّة، لتصونَ — إلى جانبِ ذلك الحبِّ الشعبيِّ — كبرياءَ أسرتِها واستقلالَها.
أمّا الابنُ الأكبرُ للبيت، ظاهر، فكان فتىً مُطرِقاً متأمِّلاً عفيفَ النظر، يعملُ في صيدليّةِ الحيّ. عرفَه الجميعُ بنجابتِه وعلمِه. لكن خلفَ ذلك المُحيّا الهادئِ الرزين، كانت تنبضُ روحٌ قلِقةٌ ظامئةٌ إلى معرفةِ العالمِ الذي وراءَ الأسوار.
[[break]]
## ٢. لهفةُ الدروب؛ من باديةِ الشامِ إلى تخومِ إسطنبول
على خلافِ ما ظنَّه الجميعُ حين رأوا في ظاهرٍ فتىً قعيدَ البيت، كان عاشقاً لا حدَّ لعشقِه للسفرِ والطرقات. احترقَت شبيبتُه في ظمأٍ إلى رؤيةِ الآفاقِ البعيدة. وكلّما سنحَت له فرصةٌ وادّخرَ بضعةَ دنانير، شدَّ صُرّتَه الصغيرةَ ليلمسَ غربةَ المدنِ الأخرى وجمالَها.
كان أعظمُ ما يجذبُه من أسفارٍ في البدايةِ بلادَ الشامِ ومدينةَ دمشقَ العتيقة. كان يمضي الأيّامَ يمشي بين أسواقِ سوريّةَ المسقوفة، إلى جوارِ المزاراتِ المقدّسة، وبين عبقِ الليمونِ وياسمينِ دمشق، يجالسُ الغرباءَ ويُحاورُهم، فيمدُّ أفقَ فكرِه إلى ما وراءَ أسوارِ النجف.
لكنّ شهيّتَه لاكتشافِ الدنيا لم تقف عند سوريّة؛ فكانت خطوتُه التاليةَ رحلةً إلى قلبِ الإمبراطوريّةِ العتيقة: تركيا. مضى ظاهرٌ إلى الدروبِ الشماليّة. وكان في مشاهدةِ عمارةِ إسطنبول، والحقولِ الخضراءِ الممتدّة، ودراما التقاءِ الشرقِ بالغربِ في تركيا، ما قلبَ روحَ هذا الفتى النجفيِّ رأساً على عقب. رأى العالمَ أوسعَ من خُنقةِ العراق، وذاقَ في كلِّ خطوةٍ طعمَ الحريّةِ والتنفّسِ في هواءٍ غريب.
غير أنّ أحداً في البيتِ لم يكن يعلمُ أنّ هذه الرحلةَ العذبةَ إلى تركيا ستكونُ مقدّمةً لواحدةٍ من أفظعِ مآسي حياتِه...
[[break]]
## ٣. كمينُ العودة؛ شِباكُ صيدِ البعثيّين
في غروبِ يومٍ مغبَرّ، وبعد أسابيعَ من التجوالِ في دروبِ سوريّةَ وتركيا، وطئَ ظاهرٌ ترابَ العراقِ بصُرّةٍ مملوءةٍ بالذكريات وذهنٍ مكتظٍّ بصورةِ العالمِ الحرّ، عائداً إلى حضنِ بيتِ بيبي فاطمة.
ولم يكن قد ابتعدَ سوى بضعةِ كيلومتراتٍ عن نقطةِ التفتيشِ الحدوديّة، حتّى اعترضَت طريقَه فجأةً سيّارتان عسكريّتان لنظامِ البعث، في سيلٍ من الغبارِ وصريرٍ ناشزٍ للمكابح. نزلَ العناصرُ البعثيّون بأحذيتِهم الثقيلةِ ووجوهِهم القاسية، وأحاطوا بالفتى ظاهر.
كانت التهمةُ الأولى بسيطةً وقاتلةً في آنٍ واحد: «مشتبهٌ بالتهرّبِ من الخدمةِ العسكريّة!»
ظنَّ البعثيّون أنّ ظاهراً شابٌّ عراقيٌّ فرَّ إلى تركيا تملّصاً من الخدمةِ في جيشِ صدّام. أخرجَ ظاهرٌ بكاملِ رزانتِه وبرودِ أعصابِه أوراقَ هويّتِه ليُثبتَ أنّه لا غبارَ عليه؛ غير أنّ التدقيقَ في الأوراقِ كشفَ لعناصرِ السلطةِ المرتابين سرّاً أشدَّ وطأة: أصلَ آلِ الموسويِّ وجذرَهم الإيرانيّ!
وما إن أدركَ العناصرُ أنّ في عروقِ هذا الفتى العلويِّ دماً إيرانيّاً، حتّى انقلبَ خطابُهم ومعاملتُهم مئةً وثمانين درجة. فبمقتضى قوانينِ نظامِ البعثِ العنصريّة، كانت الخدمةُ العسكريّةُ محرّمةً على الرعايا والتابعين الأجانب؛ فسقطَت تهمةُ «التهرّبِ من الخدمة»، لكن حلَّ محلَّها خطرٌ أشدُّ سواداً بما لا يُقاس: تهمةُ التجسّسِ والانتماءِ إلى الأجانب!
لم يعاملوه بوصفِه مواطناً، بل بوصفِه «إيرانيَّ الأصلِ مشبوهاً» سافرَ إلى تركيا وسوريّة؛ فأنزلوا به السياطَ والشتائم، وألقَوه — بلا سببٍ قانونيٍّ ولا حكمِ محكمة — في صندوقِ شاحنةٍ حديديّة، ومضَوا به إلى واحدٍ من أشدِّ سجونِ البعثِ رهبةً.
[[break]]
## ٤. ستّةُ أشهرٍ في جحيمِ الحقدِ والعنصريّة
هكذا قُذِفَ ظاهرُ الفتى، فجأةً، من حضنِ بيتِ السادةِ الدافئِ وعبقِ ياسمينِ دمشق، إلى قعرِ زنزانةٍ مظلمةٍ رطبةٍ خانقة. زنزانةٍ ابتلعَته ستّةَ أشهرٍ كاملة.
«بعد سنواتٍ طوال، في البيتِ الصغيرِ المتواضعِ الذي استأجرَه أبي ظاهرٌ في غربِ سيدني، كان قد صار رجلاً عليلاً مُتعَباً هشَّ الروح، سلبَته أثقالُ الغربةِ والتشرّدِ قامتَه وقوّتَه. في ركنِ بيتِه الخالي البسيط، حين كان يُشعلُ سيجارةً بيدَين مرتعشتَين، ويُحدّقُ في زاويةٍ ما بتنهيدةٍ عميقةٍ تهزُّ أوصالَه، كان يُحدّثُني — بصوتٍ مكسورٍ ما زال بعد عقودٍ تفوحُ منه رائحةُ الجرح — عن تلك الأشهرِ الستّةِ من كابوسِ التعذيبِ والعنصريّةِ في زنازينِ البعث...»
حدَّثني عن تعذيبٍ لا يرحم. عن ليالٍ كانت تتردّدُ فيها، في ظلمةِ الزنزانةِ المطبقة، أنّاتُ المعذَّبين وصرخاتُهم تحت السياطِ وتوسّلاتُ السجناءِ الأبرياء، في ممرّاتِ السجنِ الحجريّة، فتسلبُ النومَ من عينَيه. كان مرتزقةُ البعثِ يحملون حقداً عنصريّاً بلا حدودٍ على من كان إيرانيَّ الأصل. وكانوا يُنزلون بظاهرٍ يوميّاً — لمجرّدِ دمِه ونسبِه — أقسى صنوفِ الأذى والإذلالِ الجسديِّ والنفسيّ.
كان كلُّ يومٍ في ذلك السجنِ يمرُّ كسنةٍ كاملة. فظاهرٌ، الفتى الأنيقُ المُولَعُ بالسفر، الذي كان بالأمسِ يتمشّى في أسواقِ إسطنبول، صار اليومَ يجلسُ بجسدٍ مُثخَنٍ وثوبٍ بالٍ على أرضِ الزنزانةِ الرطبة، شاهداً على قسوةِ حكمِ صدّامٍ العارية.
[[break]]
## ٥. شرارةُ الفرارِ في قلبِ العتمة
في تلك الأشهرِ الستّةِ المشؤومةِ ذاتِها، حين كان ظاهرٌ ملقىً على أرضِ السجنِ الباردةِ يسمعُ عويلَ المعذَّبين من الزنازينِ المجاورة، جرى في روحِه ونفسِه تحوّلٌ جذريّ.
أدركَ أنّه لم يبقَ في هذا الترابِ موضعٌ للأمانةِ ولا للعزّةِ ولا لحياةِ الشرفاء. وأدركَ أنّ وجودَ أسرتِه في النجفِ قائمٌ فوق مخزنِ بارودٍ من الحقدِ والعنصريّة، قد يُشعلُ بيتَ السادةِ في أيّةِ لحظة.
وفي إحدى تلك الليالي السودِ في السجنِ بالذات، حين رفعَ يدَيه الجريحتَين داعياً إلى سقفِ الزنزانةِ الندِيّ، لمعَت في ذهنِه أوّلُ شراراتِ فكرةِ الفرارِ من العراقِ إلى إيران.
وعاهدَ نفسَه قائلاً: «إن خرجتُ من هذا الجحيمِ حيّاً، فلن أبقى في هذا البلدِ ثانيةً واحدةً بعدُ. لا بدّ أن أجدَ سبيلاً للفرارِ إلى إيران...»
وبعد ستّةِ أشهرٍ من انقطاعِ الخبر، تمكّنَت بيبي فاطمة وسِدمير — بالرشوةِ وبالتوسّلِ إلى المسؤولين — من تسلّمِ جسدِ ظاهرٍ المُنهَكِ المكسورِ من السجنِ وإعادتِه إلى البيت.
عادَ ظاهرٌ إلى البيت؛ لكنّ الفتى الذي خرجَ من السجنِ لم يعُد ذاك الإنسانَ الذي كانَه. كانت في عينَيه نظرةٌ عازمةٌ مُرّةٌ يكتنفُها السرّ. لقد صنعَ مفتاحَ الفرارِ في قلبِه، وآنَ الأوانُ الآن لتطرحَ بيبي فاطمة خطّةَ خطبةِ مرضيّة من إيران...
الفصلُ الثاني: حقيبةُ الشوكولاتةِ والإنذارُ المشؤوم
## ١. حُلمُ أمٍّ على أعتابِ العاصفة
مضَت أيّامٌ على خروجِ ظاهرٍ من تلك الأشهرِ الستّةِ الكابوسيّةِ في سجنِ البعث. وإن كانت جراحُ التعذيبِ الجسديّةُ تلتئمُ شيئاً فشيئاً، فإنّ ظلَّ حكمِ صدّامٍ الأسودَ الخانقَ كان يزدادُ ثِقَلاً على مدينةِ النجفِ يوماً بعد يوم. فأنباءُ الاختفاءِ المفاجئِ لشبّانٍ من أصولٍ إيرانيّة، والتحقيقاتُ في عرضِ الطريق، كانت قد ترسّبَت كغبارٍ مشؤومٍ على الأزقّةِ كلِّها.
وفي خضمِّ هذا القلقِ الثقيل، كانت بيبي فاطمة — ربّةُ الأسرةِ الصبورُ الوقور — قد شدَّت بصرَها إلى نقطةٍ مضيئةٍ في أفقِ الغد. هي التي أدارَت عجلةَ حياةِ أبنائها في الغربةِ سنواتٍ طوالاً بإدارةِ مغازلِ الغزلِ ومكّوكاتِها، كانت تُضمِرُ في نفسِها أمنيةً كبيرة: أن ترى ابنَها البكرَ ظاهراً متزوّجاً مستقرّاً.
كانت بيبي فاطمة تعلمُ جيّداً أنّ أحوالَ العراقِ السياسيّةَ والاقتصاديّةَ ماضيةٌ إلى الخراب. وكانت تؤمنُ أنّها إن وضعَت يدَ ظاهرٍ في يدِ ابنةِ أخيها «مرضيّة» التي كانت تعيشُ مع أسرتِها في إيران، فلن ينالَ ظاهرٌ الاستقرارَ والطمأنينةَ وحسب، بل سيقومُ لهم في ترابِ إيرانَ سندٌ عائليٌّ آمنٌ ليومِ الشدّة.
كان ظاهرٌ فتىً هادئاً مُطرِقاً متواضعاً، يقضي نهارَه كلَّه في صيدليّةِ الحيّ. وحين طرحَت بيبي فاطمة أمرَ خطبةِ مرضيّة، لم يعترض ظاهرٌ بحرفٍ واحد، بل قبِلَ ولايةَ أمِّه بحياءٍ رجوليٍّ وصمتٍ مفعمٍ بالاحترام.
وأخيراً تشجّعَت بيبي فاطمة؛ فأخذَت ورقةً، وكتبَت بيدَين مملوءتَين بالرجاءِ رسالةً مُسجَّلةً إلى أخيها حسينٍ في إيران، تعرضُ عليه الرباطَ المقدّسَ بين ظاهرٍ ومرضيّة.
[[break]]
## ٢. حقيبةٌ ملأى بالشوكولاتةِ وصورِ مرضيّة
كان انتظارُ الجوابِ من إيرانَ أيّاماً مترعةً بالخوفِ والرجاءِ في فناءِ النجفِ الصغير. كانت بيبي فاطمة تدعو بشفَتَين مُطبقتَين وهي تُدير مكّوكاتِها، وكانت بناتُ البيت — زهرة وحليمة ورؤيا وپروين — يتهامَسنَ في شأنِ عروسِ العائلةِ المرتقبة.
وذاتَ عصرٍ قُرِعَ جرسُ الفناءِ الخشبيّ، فوصلَت الأسرةَ رسالةٌ من إيرانَ ومعها طردٌ. كان أخو بيبي فاطمة قد وافقَ على هذا الرباطِ بكاملِ الشوق. لكنّ مع الرسالةِ حقيبةَ سفرٍ كبيرةً أغرقَت فناءَ بيتِ السادةِ بالفرحِ والزغاريد: حقيبةً ملأى بالشوكولاتةِ الشهيّةِ والحلوى الإيرانيّةِ والهدايا العَطِرة، وبضعِ صورٍ لمرضيّة بالچادور، بمُحيّاً نجيبٍ بريء.
التفَّ صغارُ البيتِ وشبابُه حول الحقيبة. وراحَ العمُّ جلال، بدُعابتِه المعهودة، يقسِمُ الشوكولاتةَ على الجميع، وضحكاتُ الفرحِ تملأُ فضاءَ الفناء. وتناقلَت الأيدي صورَ مرضيّة. ودمعةُ الشوقِ في عينَيها، أرَت بيبي فاطمة الصورةَ لظاهر. حدّقَ ظاهرٌ في وجهِ زوجتِه المنتظَرةِ الطاهر، فارتسمَت على شفتَيه ابتسامةٌ رقيقةٌ خجول. في ذلك العصر، أنسَت رائحةُ الشوكولاتةِ وحُلمُ الغدِ الفردوسيُّ الجميعَ — لساعات — جحيمَ حكمِ صدّام.
ووضعَ ظاهرٌ، بفرحٍ ورجاءٍ جديد، خاتماً فضّيّاً في إصبعِ يدِه اليمنى، علامةَ الخطبةِ ودخولِ عشِّ الزوجيّة.
[[break]]
## ٣. هَمَساتُ الصيدليّةِ وكمينُ البعثيّين
غير أنّ القدَرَ في ظلِّ الحكوماتِ القمعيّةِ يُلقي بظلِّه حتّى على الأفراح.
مضَت الأيّامُ وظاهرٌ منهمكٌ كعادتِه في الصيدليّة، بين الطبِّ العشبيِّ وتسليمِ الدواءِ لمرضى الحيّ. وفي يومٍ حارٍّ، لمحَ أحدُ الزبائنِ وهو صديقٌ قديمٌ الخاتمَ الفضّيَّ في يدِ ظاهرٍ اليمنى. شدَّ الصديقُ على يدِه مبتسماً وهنّأَه.
فباحَ ظاهرٌ، بكاملِ بساطتِه وطهرِ روحِه وبراءتِها، بسرِّ قلبِه، وقال بفخرٍ إنّه خطبَ حديثاً ابنةَ خالِه «مرضيّة» في إيران، وإنّه سيرحلُ قريباً إلى إيرانَ لبناءِ حياتِه.
لم يكن ظاهرٌ يعلمُ أنّ لجدرانِ تلك المدينةِ الطينيّةِ آذاناً، وأنّ مخبري نظامِ البعثِ يجولون في السوقِ بثيابِ الزبائن. فبلغَ خبرُ ارتباطِ هذا الفتى الإيرانيِّ الأصلِ بفتاةٍ في إيرانَ فوراً مسامعَ قوّاتِ الأمنِ والشرطةِ السريّة. فنظامُ صدّام، الذي كان قد دخلَ حديثاً طورَ التوتّراتِ الحدوديّةِ الحادّةِ والتنكيلِ بالإيرانيّين، كان يَعُدُّ أيَّ صلةٍ بإيرانَ تجسّساً وخيانة.
وفي صباحِ الغد، بينما كان ظاهرٌ في طريقِه إلى عملِه، توقّفَت فجأةً سيّارةٌ عسكريّةٌ بعثيّةٌ على جانبِ الشارع. نزلَ جنديّان مسلّحان، وألقيا بظاهرٍ في السيّارةِ عَنوةً، وعصَبا عينَيه.
[[break]]
## ٤. تحقيقٌ في العتمةِ وإنذارٌ مشؤوم
اقتيدَ ظاهرٌ إلى أحدِ معتقلاتِ الأمنِ في النجف. ضغطَ عليه المحقّقون البعثيّون بلهجةٍ فظّةٍ متوعّدةٍ وانهالوا عليه بالضرب. كانوا يحاولون إثباتَ أنّه ينوي الالتحاقَ بالجيشِ الإيرانيِّ أو نقلَ معلوماتٍ إليه. لكنّ رباطةَ جأشِ ظاهرٍ ونجابتَه وصدقَ أجوبتِه، وانعدامَ أيِّ دليلٍ يُدينُه، حالت دون أن يكشفوا له هويّةً خفيّةً أخرى.
ومع ذلك، وقبل أن يُطلقوا سراحَه، تقدّمَ الآمرُ البعثيُّ بوجهٍ قاسٍ، وألقى على ظاهرٍ إنذاراً مشؤوماً: «ستخرجُ حرّاً، لكن بشرطٍ واحد! فإمّا أن تُخرجَ من رأسِك اليومَ فكرةَ الزواجِ من تلك الفتاةِ الإيرانيّةِ وتبقى في العراق، وإمّا أن تُنفى وتُطرَدَ من هذا البلدِ إلى الأبدِ خلالَ أيّامٍ معدودة!»
عادَ ظاهرٌ إلى البيتِ مُنهَكاً مُثخَناً بالجراح. ولمّا رأت بيبي فاطمة وسائرُ أهلِ البيتِ جسدَه المُنهار، غرِقَ البيتُ في العويلِ والاضطراب. وقصَّ ظاهرٌ حكايةَ التحقيقِ وإنذارِ البعثيّين.
وانهارَت بيبي فاطمة من فرطِ الغمِّ والمرض، تُهمهمُ لنفسِها: «ليتَني ما خطبتُ مرضيّةَ قطّ، فلا يبلغُ ابني هذا المبلغ...»
لكنّ ظاهراً كان قد حسمَ أمرَه. التفتَ إلى بيبي فاطمة وقال بعزمٍ: «يا أمّاه، أنا لا أبقى في هذا التراب. سأمضي إلى إيرانَ لأتزوّجَ مرضيّة، وأبني حياةً جديدةً على العزّة.»
[[break]]
## ٥. عاصفةُ الفرارِ ووداعُ منتصفِ الليل
كان قرارُ ظاهرٍ بالفرارِ خِلسةً إلى إيرانَ محفوفاً بمخاطرَ قاتلة. ففي تلك الأيّام، كانت حدودُ العراقِ مزروعةً بالألغام، ودورياتُ صدّامٍ تُطلقُ النارَ على كلِّ هارب.
وحين سمِعَ اثنانِ آخرانِ من أفرادِ الأسرةِ بقرارِ ظاهر، تقدّما هما أيضاً:
• العمّةُ خديجة: الأختُ الكبرى التي كانت قد انفصلَت عن زوجِها منذ زمنٍ بعيد، ولها طفلانِ صغيرانِ هما سينا وسارة، قالت بشجاعةٍ وغريزةِ أمومةٍ إنّها سترافقُ ظاهراً لترعاه.
• العمُّ جلال: الأخُ الذكيُّ الكهربائيُّ الذي كان بمهارةِ يدَيه وحدّةِ ذهنِه قادراً على أن يكونَ منقذَ الجماعةِ في الطريق.
ولمّا رأت بيبي فاطمة أنّ ثلاثةً من أبنائها مُقدِمون على السيرِ في دربِ الموت، لم يكن لها من التسليمِ بُدّ. فبذلَت كلَّ مُدَّخَرِها لتغطيةِ أجرِ المهرّبين ونفقةِ الفرار: باعت حُليَّها الشخصيّةَ وأثاثَ البيت، بل باعت حتّى مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّةَ الغالية، لتُوفِّرَ ثمنَ تذكرةِ حرّيّةِ أولادِها.
وجاءت ليلةُ الفرار. غرِقَ بيتُ السادةِ في صمتٍ ثقيلٍ تخنقُه العَبرة. ناولَت بيبي فاطمة ظاهراً كيساً صغيراً فيه الرسائلُ وشيءٌ من المال، وشدَّت على يدَي خديجةَ قائلةً: «أنتِ الكبرى، فكوني لإخوتِك كالأمّ...»
وكان الليلُ قد جاوزَ منتصفَه حين حضرَ المهرّبون خلفَ الباب. فغادرَ ظاهرٌ وجلالٌ وخديجةُ ومعهم سينا وسارةُ الصغيران بيتَ الأبِ في سوادِ الليلِ الحالك، واختفَوا كظلالٍ خفيفةٍ بين أزقّةِ النجفِ الترابيّة.
أمّا بيبي فاطمة فجثَت على درجاتِ الفناء، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، تضمُّ مغازلَها الفارغةَ إلى صدرِها، وتُسلِّمُ أولادَها بعينَين دامعتَين إلى يدِ اللهِ الأمين؛ دون أن تدري أيَّ ملحمةٍ سيفتتحُ فرارُهم عبرَ حقولِ الألغامِ في ترابِ إيران...
مضَت أيّامٌ على خروجِ ظاهرٍ من تلك الأشهرِ الستّةِ الكابوسيّةِ في سجنِ البعث. وإن كانت جراحُ التعذيبِ الجسديّةُ تلتئمُ شيئاً فشيئاً، فإنّ ظلَّ حكمِ صدّامٍ الأسودَ الخانقَ كان يزدادُ ثِقَلاً على مدينةِ النجفِ يوماً بعد يوم. فأنباءُ الاختفاءِ المفاجئِ لشبّانٍ من أصولٍ إيرانيّة، والتحقيقاتُ في عرضِ الطريق، كانت قد ترسّبَت كغبارٍ مشؤومٍ على الأزقّةِ كلِّها.
وفي خضمِّ هذا القلقِ الثقيل، كانت بيبي فاطمة — ربّةُ الأسرةِ الصبورُ الوقور — قد شدَّت بصرَها إلى نقطةٍ مضيئةٍ في أفقِ الغد. هي التي أدارَت عجلةَ حياةِ أبنائها في الغربةِ سنواتٍ طوالاً بإدارةِ مغازلِ الغزلِ ومكّوكاتِها، كانت تُضمِرُ في نفسِها أمنيةً كبيرة: أن ترى ابنَها البكرَ ظاهراً متزوّجاً مستقرّاً.
كانت بيبي فاطمة تعلمُ جيّداً أنّ أحوالَ العراقِ السياسيّةَ والاقتصاديّةَ ماضيةٌ إلى الخراب. وكانت تؤمنُ أنّها إن وضعَت يدَ ظاهرٍ في يدِ ابنةِ أخيها «مرضيّة» التي كانت تعيشُ مع أسرتِها في إيران، فلن ينالَ ظاهرٌ الاستقرارَ والطمأنينةَ وحسب، بل سيقومُ لهم في ترابِ إيرانَ سندٌ عائليٌّ آمنٌ ليومِ الشدّة.
كان ظاهرٌ فتىً هادئاً مُطرِقاً متواضعاً، يقضي نهارَه كلَّه في صيدليّةِ الحيّ. وحين طرحَت بيبي فاطمة أمرَ خطبةِ مرضيّة، لم يعترض ظاهرٌ بحرفٍ واحد، بل قبِلَ ولايةَ أمِّه بحياءٍ رجوليٍّ وصمتٍ مفعمٍ بالاحترام.
وأخيراً تشجّعَت بيبي فاطمة؛ فأخذَت ورقةً، وكتبَت بيدَين مملوءتَين بالرجاءِ رسالةً مُسجَّلةً إلى أخيها حسينٍ في إيران، تعرضُ عليه الرباطَ المقدّسَ بين ظاهرٍ ومرضيّة.
[[break]]
## ٢. حقيبةٌ ملأى بالشوكولاتةِ وصورِ مرضيّة
كان انتظارُ الجوابِ من إيرانَ أيّاماً مترعةً بالخوفِ والرجاءِ في فناءِ النجفِ الصغير. كانت بيبي فاطمة تدعو بشفَتَين مُطبقتَين وهي تُدير مكّوكاتِها، وكانت بناتُ البيت — زهرة وحليمة ورؤيا وپروين — يتهامَسنَ في شأنِ عروسِ العائلةِ المرتقبة.
وذاتَ عصرٍ قُرِعَ جرسُ الفناءِ الخشبيّ، فوصلَت الأسرةَ رسالةٌ من إيرانَ ومعها طردٌ. كان أخو بيبي فاطمة قد وافقَ على هذا الرباطِ بكاملِ الشوق. لكنّ مع الرسالةِ حقيبةَ سفرٍ كبيرةً أغرقَت فناءَ بيتِ السادةِ بالفرحِ والزغاريد: حقيبةً ملأى بالشوكولاتةِ الشهيّةِ والحلوى الإيرانيّةِ والهدايا العَطِرة، وبضعِ صورٍ لمرضيّة بالچادور، بمُحيّاً نجيبٍ بريء.
التفَّ صغارُ البيتِ وشبابُه حول الحقيبة. وراحَ العمُّ جلال، بدُعابتِه المعهودة، يقسِمُ الشوكولاتةَ على الجميع، وضحكاتُ الفرحِ تملأُ فضاءَ الفناء. وتناقلَت الأيدي صورَ مرضيّة. ودمعةُ الشوقِ في عينَيها، أرَت بيبي فاطمة الصورةَ لظاهر. حدّقَ ظاهرٌ في وجهِ زوجتِه المنتظَرةِ الطاهر، فارتسمَت على شفتَيه ابتسامةٌ رقيقةٌ خجول. في ذلك العصر، أنسَت رائحةُ الشوكولاتةِ وحُلمُ الغدِ الفردوسيُّ الجميعَ — لساعات — جحيمَ حكمِ صدّام.
ووضعَ ظاهرٌ، بفرحٍ ورجاءٍ جديد، خاتماً فضّيّاً في إصبعِ يدِه اليمنى، علامةَ الخطبةِ ودخولِ عشِّ الزوجيّة.
[[break]]
## ٣. هَمَساتُ الصيدليّةِ وكمينُ البعثيّين
غير أنّ القدَرَ في ظلِّ الحكوماتِ القمعيّةِ يُلقي بظلِّه حتّى على الأفراح.
مضَت الأيّامُ وظاهرٌ منهمكٌ كعادتِه في الصيدليّة، بين الطبِّ العشبيِّ وتسليمِ الدواءِ لمرضى الحيّ. وفي يومٍ حارٍّ، لمحَ أحدُ الزبائنِ وهو صديقٌ قديمٌ الخاتمَ الفضّيَّ في يدِ ظاهرٍ اليمنى. شدَّ الصديقُ على يدِه مبتسماً وهنّأَه.
فباحَ ظاهرٌ، بكاملِ بساطتِه وطهرِ روحِه وبراءتِها، بسرِّ قلبِه، وقال بفخرٍ إنّه خطبَ حديثاً ابنةَ خالِه «مرضيّة» في إيران، وإنّه سيرحلُ قريباً إلى إيرانَ لبناءِ حياتِه.
لم يكن ظاهرٌ يعلمُ أنّ لجدرانِ تلك المدينةِ الطينيّةِ آذاناً، وأنّ مخبري نظامِ البعثِ يجولون في السوقِ بثيابِ الزبائن. فبلغَ خبرُ ارتباطِ هذا الفتى الإيرانيِّ الأصلِ بفتاةٍ في إيرانَ فوراً مسامعَ قوّاتِ الأمنِ والشرطةِ السريّة. فنظامُ صدّام، الذي كان قد دخلَ حديثاً طورَ التوتّراتِ الحدوديّةِ الحادّةِ والتنكيلِ بالإيرانيّين، كان يَعُدُّ أيَّ صلةٍ بإيرانَ تجسّساً وخيانة.
وفي صباحِ الغد، بينما كان ظاهرٌ في طريقِه إلى عملِه، توقّفَت فجأةً سيّارةٌ عسكريّةٌ بعثيّةٌ على جانبِ الشارع. نزلَ جنديّان مسلّحان، وألقيا بظاهرٍ في السيّارةِ عَنوةً، وعصَبا عينَيه.
[[break]]
## ٤. تحقيقٌ في العتمةِ وإنذارٌ مشؤوم
اقتيدَ ظاهرٌ إلى أحدِ معتقلاتِ الأمنِ في النجف. ضغطَ عليه المحقّقون البعثيّون بلهجةٍ فظّةٍ متوعّدةٍ وانهالوا عليه بالضرب. كانوا يحاولون إثباتَ أنّه ينوي الالتحاقَ بالجيشِ الإيرانيِّ أو نقلَ معلوماتٍ إليه. لكنّ رباطةَ جأشِ ظاهرٍ ونجابتَه وصدقَ أجوبتِه، وانعدامَ أيِّ دليلٍ يُدينُه، حالت دون أن يكشفوا له هويّةً خفيّةً أخرى.
ومع ذلك، وقبل أن يُطلقوا سراحَه، تقدّمَ الآمرُ البعثيُّ بوجهٍ قاسٍ، وألقى على ظاهرٍ إنذاراً مشؤوماً: «ستخرجُ حرّاً، لكن بشرطٍ واحد! فإمّا أن تُخرجَ من رأسِك اليومَ فكرةَ الزواجِ من تلك الفتاةِ الإيرانيّةِ وتبقى في العراق، وإمّا أن تُنفى وتُطرَدَ من هذا البلدِ إلى الأبدِ خلالَ أيّامٍ معدودة!»
عادَ ظاهرٌ إلى البيتِ مُنهَكاً مُثخَناً بالجراح. ولمّا رأت بيبي فاطمة وسائرُ أهلِ البيتِ جسدَه المُنهار، غرِقَ البيتُ في العويلِ والاضطراب. وقصَّ ظاهرٌ حكايةَ التحقيقِ وإنذارِ البعثيّين.
وانهارَت بيبي فاطمة من فرطِ الغمِّ والمرض، تُهمهمُ لنفسِها: «ليتَني ما خطبتُ مرضيّةَ قطّ، فلا يبلغُ ابني هذا المبلغ...»
لكنّ ظاهراً كان قد حسمَ أمرَه. التفتَ إلى بيبي فاطمة وقال بعزمٍ: «يا أمّاه، أنا لا أبقى في هذا التراب. سأمضي إلى إيرانَ لأتزوّجَ مرضيّة، وأبني حياةً جديدةً على العزّة.»
[[break]]
## ٥. عاصفةُ الفرارِ ووداعُ منتصفِ الليل
كان قرارُ ظاهرٍ بالفرارِ خِلسةً إلى إيرانَ محفوفاً بمخاطرَ قاتلة. ففي تلك الأيّام، كانت حدودُ العراقِ مزروعةً بالألغام، ودورياتُ صدّامٍ تُطلقُ النارَ على كلِّ هارب.
وحين سمِعَ اثنانِ آخرانِ من أفرادِ الأسرةِ بقرارِ ظاهر، تقدّما هما أيضاً:
• العمّةُ خديجة: الأختُ الكبرى التي كانت قد انفصلَت عن زوجِها منذ زمنٍ بعيد، ولها طفلانِ صغيرانِ هما سينا وسارة، قالت بشجاعةٍ وغريزةِ أمومةٍ إنّها سترافقُ ظاهراً لترعاه.
• العمُّ جلال: الأخُ الذكيُّ الكهربائيُّ الذي كان بمهارةِ يدَيه وحدّةِ ذهنِه قادراً على أن يكونَ منقذَ الجماعةِ في الطريق.
ولمّا رأت بيبي فاطمة أنّ ثلاثةً من أبنائها مُقدِمون على السيرِ في دربِ الموت، لم يكن لها من التسليمِ بُدّ. فبذلَت كلَّ مُدَّخَرِها لتغطيةِ أجرِ المهرّبين ونفقةِ الفرار: باعت حُليَّها الشخصيّةَ وأثاثَ البيت، بل باعت حتّى مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّةَ الغالية، لتُوفِّرَ ثمنَ تذكرةِ حرّيّةِ أولادِها.
وجاءت ليلةُ الفرار. غرِقَ بيتُ السادةِ في صمتٍ ثقيلٍ تخنقُه العَبرة. ناولَت بيبي فاطمة ظاهراً كيساً صغيراً فيه الرسائلُ وشيءٌ من المال، وشدَّت على يدَي خديجةَ قائلةً: «أنتِ الكبرى، فكوني لإخوتِك كالأمّ...»
وكان الليلُ قد جاوزَ منتصفَه حين حضرَ المهرّبون خلفَ الباب. فغادرَ ظاهرٌ وجلالٌ وخديجةُ ومعهم سينا وسارةُ الصغيران بيتَ الأبِ في سوادِ الليلِ الحالك، واختفَوا كظلالٍ خفيفةٍ بين أزقّةِ النجفِ الترابيّة.
أمّا بيبي فاطمة فجثَت على درجاتِ الفناء، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، تضمُّ مغازلَها الفارغةَ إلى صدرِها، وتُسلِّمُ أولادَها بعينَين دامعتَين إلى يدِ اللهِ الأمين؛ دون أن تدري أيَّ ملحمةٍ سيفتتحُ فرارُهم عبرَ حقولِ الألغامِ في ترابِ إيران...
الفصلُ الثالث: عبورُ حقولِ الألغامِ والقِرانُ في أصفهان
## ١. دربُ الموت؛ ممرُّ الألغامِ وليالي البادية
كان الفرارُ من عراقِ حكمِ البعثِ في أواخرِ سبعينيّاتِ القرنِ الماضي مقامرةً دمويّةً بكلِّ معنى الكلمة، تُعادلُ الموتَ سواءً بسواء. فقد أمرَ صدّامُ حسينٍ بزرعِ الحدودِ كلِّها بالألغام، وبأن تُطلقَ دورياتُ الجيشِ النارَ على كلِّ ظلٍّ متحرّكٍ دون إنذار.
كان المهرّبون يعبرون بجماعةِ ظاهرٍ الصغيرةِ من الدروبِ الملتويةِ والممرّاتِ الصحراويّةِ النائية. فبالليلِ كان بردُ الباديةِ الناخرُ للعظمِ يجلدُ أجسادَهم، وبالنهارِ كان لهيبُ الشمسِ يستنزفُ رمقَهم. وكانت العمّةُ خديجة تُخفي سينا وسارةَ الصغيرَين تحت چادورِها لتقيَهما الريحَ العاتيةَ وغبارَ الصحراء. وأنَّ سينا مرّاتٍ من شدّةِ العطشِ والإعياء، فحملَه ظاهرٌ على كتفَيه ومضى به فراسخَ بين الرمالِ الترابيّة.
وكان أرهبُ ما في الرحلةِ عبورَ حقولِ الألغامِ الحدوديّة. كان المهرّبون يتقدّمون الركبَ ويتحسّسون بقضبانٍ معدنيّةٍ رفيعةٍ أثرَ الأسلاكِ والألغامِ المدفونةِ تحت التراب. وكان على ظاهرٍ وجلالٍ أن يضعا أقدامَهما في مواطئِ أقدامِ المهرّبين بالضبط. وكان يكفي أن تنزلقَ الخطوةُ سنتيمتراً واحداً ليُحيلَ انفجارٌ مروِّعٌ كلَّ شيءٍ رماداً.
وعند إحدى نقاطِ التفتيشِ الفرعيّةِ قربَ الحدود، سقطَ فجأةً كشّافُ أحدِ المخافرِ البعثيّةِ على الجماعة. صاحَ الجنودُ: قِف! فتجمّدَ ظاهرٌ وخديجةُ من الرعب. وفي تلك الثواني القاتلة، تقدّمَ العمُّ جلالٌ بذكائِه وبديهتِه الفائقة. فروى بعربيّةٍ سليمةٍ ولهجةٍ في غايةِ البرود، حكايةً مُختلَقةً عن مرضِ سارةَ الصغيرةِ الشديدِ وعن سفرةٍ اضطراريّةٍ إلى القريةِ المجاورة. وخبَت ريبةُ الجنودِ البعثيّين حين رأَوا وجهَ سارةَ المحمومَ الذاوي، فأذِنوا لهم بالمرور. هكذا انتزعَهم العمُّ جلالٌ من فمِ التنّينِ بأدواتٍ بسيطةٍ ولسانٍ دافئ.
[[break]]
## ٢. فجرُ الحرّيّةِ على حدودِ إيران
وبعد أيّامٍ من المشيِ المُضنيِ والجوعِ والارتعادِ من هَولِ الدوريّات، بلغَ المهرّبون أخيراً، في سَحَرِ يومٍ مُشمِس، نُقطةً مرتفعةً وأشاروا إلى الأفق.
هناك، في المقابل، كان عمودُ الحدودِ وعلمُ إيرانَ ذو الألوانِ الثلاثةِ يرقصُ في نسيمِ الصباح.
وحين أبصرا العلَمَ، انكسرَ سدُّ دموعِ العمّةِ خديجةَ وظاهر. جثَوا على ترابِ الحدودِ الدافئ، وقبّلوا الأرضَ وحمِدوا الله. وما إن رأى حرسُ الحدودِ الإيرانيّون حالَهم المُزرية، وثيابَهم الممزّقة، ووجوهَهم التي غطّاها الغبار، حتّى هرعوا إليهم. وعلى نقيضِ قسوةِ البعثيّين وأحذيتِهم الغليظة، استقبلَهم حرسُ الحدودِ الإيرانيّون بصدرٍ مفتوحٍ وخبزٍ ساخنٍ وماءٍ وأغطية.
وهكذا تنفّسَ ظاهرٌ، بعد ستّةِ أشهرٍ من كابوسِ التعذيبِ في زنازينِ البعثِ وأيّامٍ من الركضِ في حقولِ الألغام، أوّلَ أنفاسِ الحرّيّةِ والأمان. شعرَ أنّه عادَ من عالمِ الأمواتِ ليبدأَ حياةً جديدة.
[[break]]
## ٣. الوصولُ إلى أصفهانَ ولقاءُ الخالِ حسين
بعد تسجيلِ البياناتِ الأوّليّةِ وإصدارِ بطاقاتِ إقامةِ الرعايا الأجانب، هيّأَ حرسُ الحدودِ لهم مقدّماتِ السفرِ إلى أصفهان.
كانت أصفهان، بزايندهرودِها المتدفّق، وجسورِها التاريخيّة، وشوارعِها المكتظّةِ بأشجارِ الدُّلْب، تُشبهُ لظاهرٍ وجلالٍ فردوساً أخضر. وبلغا حيَّ سكنِ الخالِ حسين، أخي بيبي فاطمة ووالدِ مرضيّة.
ولمّا قُرِعَ جرسُ بابِ الخالِ حسين، ورأى على البابِ أبناءَ أختِه المنفيّين، ارتفعَ في البيتِ البكاءُ وزغاريدُ الفرح. ضمَّ الخالُ حسينٌ ظاهراً وجلالاً وخديجةَ إلى صدرِه ضمّاً شديداً. وكان خبرُ فرارِهم الناجحِ من العراقِ بلسماً على قلبِ بيبي فاطمة القلقِ في النجف، إذ بلغَها عبرَ الرسائلِ اللاحقة.
وفي ذلك العصرِ نفسِه، وقفَ ظاهرٌ ومرضيّةُ وجهاً لوجهٍ لأوّلِ مرّة.
دخلَت مرضيّةُ الغرفةَ بصينيّةِ الشاي — فتاةً ذاتَ مُحيّاً بريء، وعينَين واسعتَين نجيبتَين، وچادورٍ ترتديه بوقار. أمّا ظاهرٌ، الذي لم يكن قد رأى قبلَ ذلك سوى صُوَرِها الصغيرةِ في حقيبةِ الهدايا، فنظرَ إلى زوجتِه المنتظَرةِ بحياءٍ رجوليٍّ وطرْفٍ مُطرِق. وكانت نظراتُهما الخفيّةُ في ضوءِ الغرفةِ تُبشِّرُ برباطٍ من جنسِ الحبِّ والاحترامِ والسكينةِ التي تعقبُ العاصفة.
[[break]]
## ٤. الرباطُ المقدّسُ وبدايةُ الحياةِ في الغربة
وبعد أيّامٍ قليلة، بُسِطَت في بيتِ الخالِ حسينٍ مائدةٌ بسيطةٌ لكنّها مترعةٌ بالبركةِ والمحبّة.
أجرى العاقدُ خطبةَ عقدِ ظاهرٍ ومرضيّة. فأعلنَت مرضيّةُ رسميّةَ هذا الرباطِ المقدّسِ بـ«نعم» هادئةٍ خجول، وشدَّ ظاهرٌ على خاتمِه الفضّيِّ في إصبعِه، وتعهّدَ أن يفديَ بحياتِه كلِّها سعادةَ هذه المرأة. وفي تلك الأيّامِ نفسِها تزوّجَ العمُّ جلالٌ أيضاً من ابنةِ خالتِه حُميراء، فاكتملَ فرحُ الأسرة.
وبدأت الحياةُ الجديدةُ في إيران. ومع أنّ الدولةَ الإيرانيّةَ لم تكن تمنحُ المهاجرين من أصلٍ عراقيٍّ شهادةَ ميلادٍ ولا هويّة، وكانوا يعيشون ببطاقةِ إقامةِ الرعايا وحدَها، فإنّ ظاهراً التحقَ فوراً — بعلمِه في الصيدلة — بالعملِ في صيدليّةٍ معتبرةٍ في أصفهان. أمّا العمُّ جلالٌ فتولّى بكمّاشتِه ومِفكِّ الاختبارِ تمديداتِ الكهرباءِ في الورشِ والبيوت. وأدارت العمّةُ خديجةُ بمهارتِها في الخياطةِ عجلةَ حياتِها وحياةِ طفلَيها.
ومضَت سنواتٌ... إلى أن وُلِدَ في الأوّلِ من آذار (مارس) ١٩٨٢ مولودٌ ذكرٌ في أصفهان؛ صبيٌّ سمَّوه محسن — وهو راوي هذه الملحمةِ وكاتبُها في قادمِ الأيّام...
كان الفرارُ من عراقِ حكمِ البعثِ في أواخرِ سبعينيّاتِ القرنِ الماضي مقامرةً دمويّةً بكلِّ معنى الكلمة، تُعادلُ الموتَ سواءً بسواء. فقد أمرَ صدّامُ حسينٍ بزرعِ الحدودِ كلِّها بالألغام، وبأن تُطلقَ دورياتُ الجيشِ النارَ على كلِّ ظلٍّ متحرّكٍ دون إنذار.
كان المهرّبون يعبرون بجماعةِ ظاهرٍ الصغيرةِ من الدروبِ الملتويةِ والممرّاتِ الصحراويّةِ النائية. فبالليلِ كان بردُ الباديةِ الناخرُ للعظمِ يجلدُ أجسادَهم، وبالنهارِ كان لهيبُ الشمسِ يستنزفُ رمقَهم. وكانت العمّةُ خديجة تُخفي سينا وسارةَ الصغيرَين تحت چادورِها لتقيَهما الريحَ العاتيةَ وغبارَ الصحراء. وأنَّ سينا مرّاتٍ من شدّةِ العطشِ والإعياء، فحملَه ظاهرٌ على كتفَيه ومضى به فراسخَ بين الرمالِ الترابيّة.
وكان أرهبُ ما في الرحلةِ عبورَ حقولِ الألغامِ الحدوديّة. كان المهرّبون يتقدّمون الركبَ ويتحسّسون بقضبانٍ معدنيّةٍ رفيعةٍ أثرَ الأسلاكِ والألغامِ المدفونةِ تحت التراب. وكان على ظاهرٍ وجلالٍ أن يضعا أقدامَهما في مواطئِ أقدامِ المهرّبين بالضبط. وكان يكفي أن تنزلقَ الخطوةُ سنتيمتراً واحداً ليُحيلَ انفجارٌ مروِّعٌ كلَّ شيءٍ رماداً.
وعند إحدى نقاطِ التفتيشِ الفرعيّةِ قربَ الحدود، سقطَ فجأةً كشّافُ أحدِ المخافرِ البعثيّةِ على الجماعة. صاحَ الجنودُ: قِف! فتجمّدَ ظاهرٌ وخديجةُ من الرعب. وفي تلك الثواني القاتلة، تقدّمَ العمُّ جلالٌ بذكائِه وبديهتِه الفائقة. فروى بعربيّةٍ سليمةٍ ولهجةٍ في غايةِ البرود، حكايةً مُختلَقةً عن مرضِ سارةَ الصغيرةِ الشديدِ وعن سفرةٍ اضطراريّةٍ إلى القريةِ المجاورة. وخبَت ريبةُ الجنودِ البعثيّين حين رأَوا وجهَ سارةَ المحمومَ الذاوي، فأذِنوا لهم بالمرور. هكذا انتزعَهم العمُّ جلالٌ من فمِ التنّينِ بأدواتٍ بسيطةٍ ولسانٍ دافئ.
[[break]]
## ٢. فجرُ الحرّيّةِ على حدودِ إيران
وبعد أيّامٍ من المشيِ المُضنيِ والجوعِ والارتعادِ من هَولِ الدوريّات، بلغَ المهرّبون أخيراً، في سَحَرِ يومٍ مُشمِس، نُقطةً مرتفعةً وأشاروا إلى الأفق.
هناك، في المقابل، كان عمودُ الحدودِ وعلمُ إيرانَ ذو الألوانِ الثلاثةِ يرقصُ في نسيمِ الصباح.
وحين أبصرا العلَمَ، انكسرَ سدُّ دموعِ العمّةِ خديجةَ وظاهر. جثَوا على ترابِ الحدودِ الدافئ، وقبّلوا الأرضَ وحمِدوا الله. وما إن رأى حرسُ الحدودِ الإيرانيّون حالَهم المُزرية، وثيابَهم الممزّقة، ووجوهَهم التي غطّاها الغبار، حتّى هرعوا إليهم. وعلى نقيضِ قسوةِ البعثيّين وأحذيتِهم الغليظة، استقبلَهم حرسُ الحدودِ الإيرانيّون بصدرٍ مفتوحٍ وخبزٍ ساخنٍ وماءٍ وأغطية.
وهكذا تنفّسَ ظاهرٌ، بعد ستّةِ أشهرٍ من كابوسِ التعذيبِ في زنازينِ البعثِ وأيّامٍ من الركضِ في حقولِ الألغام، أوّلَ أنفاسِ الحرّيّةِ والأمان. شعرَ أنّه عادَ من عالمِ الأمواتِ ليبدأَ حياةً جديدة.
[[break]]
## ٣. الوصولُ إلى أصفهانَ ولقاءُ الخالِ حسين
بعد تسجيلِ البياناتِ الأوّليّةِ وإصدارِ بطاقاتِ إقامةِ الرعايا الأجانب، هيّأَ حرسُ الحدودِ لهم مقدّماتِ السفرِ إلى أصفهان.
كانت أصفهان، بزايندهرودِها المتدفّق، وجسورِها التاريخيّة، وشوارعِها المكتظّةِ بأشجارِ الدُّلْب، تُشبهُ لظاهرٍ وجلالٍ فردوساً أخضر. وبلغا حيَّ سكنِ الخالِ حسين، أخي بيبي فاطمة ووالدِ مرضيّة.
ولمّا قُرِعَ جرسُ بابِ الخالِ حسين، ورأى على البابِ أبناءَ أختِه المنفيّين، ارتفعَ في البيتِ البكاءُ وزغاريدُ الفرح. ضمَّ الخالُ حسينٌ ظاهراً وجلالاً وخديجةَ إلى صدرِه ضمّاً شديداً. وكان خبرُ فرارِهم الناجحِ من العراقِ بلسماً على قلبِ بيبي فاطمة القلقِ في النجف، إذ بلغَها عبرَ الرسائلِ اللاحقة.
وفي ذلك العصرِ نفسِه، وقفَ ظاهرٌ ومرضيّةُ وجهاً لوجهٍ لأوّلِ مرّة.
دخلَت مرضيّةُ الغرفةَ بصينيّةِ الشاي — فتاةً ذاتَ مُحيّاً بريء، وعينَين واسعتَين نجيبتَين، وچادورٍ ترتديه بوقار. أمّا ظاهرٌ، الذي لم يكن قد رأى قبلَ ذلك سوى صُوَرِها الصغيرةِ في حقيبةِ الهدايا، فنظرَ إلى زوجتِه المنتظَرةِ بحياءٍ رجوليٍّ وطرْفٍ مُطرِق. وكانت نظراتُهما الخفيّةُ في ضوءِ الغرفةِ تُبشِّرُ برباطٍ من جنسِ الحبِّ والاحترامِ والسكينةِ التي تعقبُ العاصفة.
[[break]]
## ٤. الرباطُ المقدّسُ وبدايةُ الحياةِ في الغربة
وبعد أيّامٍ قليلة، بُسِطَت في بيتِ الخالِ حسينٍ مائدةٌ بسيطةٌ لكنّها مترعةٌ بالبركةِ والمحبّة.
أجرى العاقدُ خطبةَ عقدِ ظاهرٍ ومرضيّة. فأعلنَت مرضيّةُ رسميّةَ هذا الرباطِ المقدّسِ بـ«نعم» هادئةٍ خجول، وشدَّ ظاهرٌ على خاتمِه الفضّيِّ في إصبعِه، وتعهّدَ أن يفديَ بحياتِه كلِّها سعادةَ هذه المرأة. وفي تلك الأيّامِ نفسِها تزوّجَ العمُّ جلالٌ أيضاً من ابنةِ خالتِه حُميراء، فاكتملَ فرحُ الأسرة.
وبدأت الحياةُ الجديدةُ في إيران. ومع أنّ الدولةَ الإيرانيّةَ لم تكن تمنحُ المهاجرين من أصلٍ عراقيٍّ شهادةَ ميلادٍ ولا هويّة، وكانوا يعيشون ببطاقةِ إقامةِ الرعايا وحدَها، فإنّ ظاهراً التحقَ فوراً — بعلمِه في الصيدلة — بالعملِ في صيدليّةٍ معتبرةٍ في أصفهان. أمّا العمُّ جلالٌ فتولّى بكمّاشتِه ومِفكِّ الاختبارِ تمديداتِ الكهرباءِ في الورشِ والبيوت. وأدارت العمّةُ خديجةُ بمهارتِها في الخياطةِ عجلةَ حياتِها وحياةِ طفلَيها.
ومضَت سنواتٌ... إلى أن وُلِدَ في الأوّلِ من آذار (مارس) ١٩٨٢ مولودٌ ذكرٌ في أصفهان؛ صبيٌّ سمَّوه محسن — وهو راوي هذه الملحمةِ وكاتبُها في قادمِ الأيّام...
الفصلُ الرابع: أسْرُ بيبي وفاجعةُ فِراقِ محمّد
## ١. ظلُّ الغيابِ الثقيلُ والأبناءُ السَّنَد
بعد فرارِ ظاهرٍ والعمِّ جلالٍ والعمّةِ خديجةَ خِلسةً في جوفِ الليلِ صوبَ حدودِ إيران، دخلَ بيتُ السادةِ في النجفِ زمناً مترعاً بالقلقِ والصمتِ والخوفِ والرجاء.
كانت بيبي فاطمة، وقلبُها يحترقُ لفراقِ ثلاثةٍ من أبنائها، تُدير عجلةَ البيتِ بصلابةٍ منقطعةِ النظيرِ استعارَتها من جذورِ السادة. وفي غضونِ ذلك جرَت تحوّلاتٌ في تركيبةِ الأسرة:
• زهرة وحليمة، كُبرى بناتِ البيت، تزوّجَتا ومضَتا بألفِ أمنيةٍ إلى بيتَيهما المستقلَّين في العراق.
• ولم يبقَ في البيتِ إلى جانبِ بيبي فاطمة سوى رؤيا وپروين، تُعينانِ الأمَّ في شؤونِ البيتِ وفي الغزلِ التقليديّ.
أمّا حِملُ الكسبِ وإدارةِ البيتِ الثقيلُ في ذلك الزمانِ العسيرِ الشحيحِ بالقوت، فقد وقعَ على أكتافِ فتيانِ الأسرةِ الثلاثة: عليّ، ونادر، والأهمُّ من الجميع: محمّد.
كان محمّدٌ فتىً رزيناً وقوراً مفعماً بحبِّ الحياة، لم يكد يُجاوزُ الثامنةَ عشرة. وكان يحلمُ بأن يصيرَ معلّماً؛ فلمّا فرَّ إخوتُه الكبار، شمَّرَ عن ساعدَيه بمروءةِ الرجال، وعملَ ليلَ نهارٍ كي لا يدعَ مائدةَ بيبي فاطمة تخلو. صارَ محمّدٌ سندَ بيبي وعصا يدِها؛ وكان كلَّ مساءٍ حين يعودُ إلى البيتِ يُقبّلُ يدَي أمِّه أوّلاً، ثمّ يمحو عن جسدِها تعبَ النهارِ بضحكاتِه النجيبة، ويُطمئنُها أنّه ما دامَ حيّاً فلن تستطيعَ عاصفةٌ أن تهزَّ سقفَ هذا البيت.
لكنّ نارَ الحربِ بين إيرانَ والعراقِ كانت تزدادُ اشتعالاً يوماً بعد يوم، ونظامُ البعثِ يُوجّهُ حقدَه العنصريَّ أكثرَ فأكثرَ نحوَ الأسَرِ ذاتِ الأصولِ الإيرانيّة.
[[break]]
## ٢. أمانةُ «نَنه سعد» واقتحامُ الأحذيةِ البعثيّة
وجاء عامُ ١٩٨٤. لم تعُد النجفُ تلك المدينةَ الهادئةَ ذاتَ القبابِ الذهبيّة؛ بل صارت سجناً كبيراً تملؤه الدورياتُ المسلّحةُ والتحقيقاتُ في الشوارعِ والكتاباتُ المتوعّدةُ على الجدران. وكانت أنباءُ مداهمةِ العناصرِ لبيوتِ ذوي الأصولِ الإيرانيّةِ ومصادرةِ أموالِهم تسري في الحيِّ كالصاعقة.
وكانت بيبي فاطمة، بذكائِها وبصيرتِها الأموميّة، تستشرفُ الأيّامَ السود. كانت تعلمُ جيّداً أنّ الدورَ سيبلغُ بيتَ السادةِ عمّا قريب. ولذلك، ولكي يسلمَ من مصادرةِ حكومةِ البعثِ الغاصبةِ الأثرُ الوحيدُ الباقي من زوجِها وسقفُ أبنائها الأبويّ، سلّمَت سرّاً سندَ البيتِ ومفتاحَه إلى صديقتِها وجارتِها الوفيّة «نَنه سعد». شدَّت بيبي على يدَي نَنه سعد وقالت بصوتٍ مرتعش: «يا نَنه سعد... ليكن هذا البيتُ وهذا الطينُ أمانةَ آلِ الرسولِ عندَك. احفظيه إلى اليومِ الذي يعودُ فيه أولادي...»
ولم يلبث حَدْسُ بيبي أن صارَ حقيقة.
ففي صباحٍ مُشمسٍ لاهب، كسرَ صمتَ الزقاقِ صريرُ مكابحَ ناشزٌ لعدّةِ شاحناتٍ عسكريّةٍ بعثيّة. حطّمَ الجنودُ الغلاظُ بأحذيتِهم الثقيلةِ بابَ الفناءِ الخشبيَّ دون إنذار، واقتحموا البيت.
وصاحَ الآمرُ البعثيُّ بلهجةٍ مملوءةٍ بالإهانةِ والعنف: «أنتم أعداءُ العراقِ وخَوَنتُه! لا يحقُّ لكم البقاءُ ولو ثانيةً واحدة! لا تأخذوا معكم شيئاً، فكلُّ شيءٍ ملكٌ للدولة!»
لم يُبدِ البعثيّون رحمةً قطّ. ساقوا بيبي فاطمة والعمّةَ رؤيا والعمّةَ پروين ومحمّداً وعليّاً والعمَّ نادراً نحوَ مخرجِ الفناءِ بالضربِ والإذلال. ولم تجد بيبي فاطمة فرصةً حتّى لتُسوّي چادورَها على رأسِها أو تنتعلَ حذاءَها. ألقى العناصرُ بأسرةِ السادةِ في صندوقِ شاحنةٍ حديديّةٍ حارقة؛ شاحنةٍ كان غطاؤها المشمّعُ يحترقُ من لهيبِ الشمس، ومضَت بهم بعيداً عن البيتِ الوحيدِ الذي بنَوه بدمِ القلب.
[[break]]
## ٣. جحيمُ المعتقلِ وعويلُ بيبي
نقلَت الشاحنةُ الأسرةَ مع عشراتِ الأُسَرِ الأخرى إلى واحدٍ من أكبرِ مراكزِ الاعتقالِ العامِّ وأشدِّها ازدحاماً على أطرافِ النجف.
كان المكانُ جحيماً حقيقيّاً. عنبرٌ كبيرٌ قذرٌ خانق، تموجُ في فضائِه رائحةُ الخوفِ والعَرَقِ والعَفَن. مئاتُ النساءِ والرجالِ والأطفالِ والشيوخِ المرضى مُتكوِّمون على ترابِ العنبرِ الوسِخ. وكان الفضاءُ يمتلئُ بعويلِ أمّهاتٍ أضعنَ أطفالَهنَّ في الزحام، وأنينِ مرضى بلا دواء، وقهقهاتِ الجنودِ البعثيّين الماجنة. وكلُّ من نبسَ باعتراضٍ خرَّ مضرَّجاً تحت السياطِ وكابلاتِ حرسِ البعث.
وكانت التهمةُ المشتركةُ لتلك الآلافِ من البشرِ شيئاً واحداً لا غير: أن يجريَ في عروقِهم دمٌ إيرانيٌّ ونسب!
جمعَت بيبي فاطمة أبناءَها حولَها كطائرٍ مَنتوفِ الريش. سحبَت چادورَها على رؤوسِ بناتِها، وشدَّت على يدَي محمّدٍ وعليٍّ شدّاً. وراحت — بتقسيمِ ما تجدُه من كِسَرِ الخبزِ اليابسِ الشحيحةِ، وبتمتمةِ سُوَرِ القرآنِ بشفَتَين مطبقتَين — تحاولُ أن تُبقيَ نورَ الأملِ حيّاً في تلك الظلمةِ المطبقة.
لكنّ أشأمَ حادثةٍ في تاريخِ آلِ الموسويِّ وقعَت في هذا المعتقلِ بالذات...
[[break]]
## ٤. فاجعةُ فِراقِ محمّد؛ «يا أمّاه... كوني قويّة!»
في صباحِ اليومِ التالي، دخلَ العنبرَ فجأةً نفرٌ من كبارِ ضبّاطِ البعثِ وبأيديهم قوائم. راحوا يبحثون عن الفتيانِ البالغين والشبّان.
وتسمّرَت عينا أحدِ الضبّاطِ القاسيتانِ على وجهِ محمّدٍ النضِرِ اليافعِ البريء. أشارَ الضابطُ بيدِه إلى محمّدٍ وأمرَ جنودَه: «افصلوا هذا! يُنقلُ إلى معسكرِ الشباب!»
ولمّا سمِعَت بيبي فاطمة هذا الأمر، طارَ صوابُها. ألقَت بنفسِها أمامَ الجنودِ كلبوةٍ جريحة، وضمَّت محمّداً إلى صدرِها، وصرخَت بأنينٍ وبكاءٍ يُذيبُ الفؤاد: «باللهِ عليكم... ارحموا! ما زالَ طفلاً... إنّه أملي! دَعوه يذهبُ مع أمِّه... اقتُلونا معاً ولا تفصِلوه عنّي!»
لكنّ قلوبَ البعثيّين كانت مصنوعةً من حجرٍ وحقد. وكانت حُجّتُهم الرسميّةُ أنّ الشبّانَ يجب ألّا يُنفَوا إلى إيرانَ لئلّا يلتحقوا بالجيشِ الإيرانيّ.
جذبَ جنديّانِ ضخمانِ بكاملِ القسوةِ يدَي بيبي فاطمة النحيلتَين، وقذفا بها على ترابِ المعتقل. راحت بيبي تزحفُ على التراب، تتشبّثُ بأحذيةِ الجنودِ وتتوسّل. وكان محمّدٌ يتخبّطُ ويجذبُ ياقاتِ الجنودِ ويصرخُ ليُفلتَ ويعودَ إلى حضنِ أمِّه، لكنّ الكابلاتِ الثقيلةَ انهالَت على رأسِه ووجهِه.
وسحبَ الجنودُ محمّداً الفتى سحباً نحوَ مخرجِ العنبر.
وفي اللحظةِ الأخيرة، عند العتبةِ تماماً، أدارَ محمّدٌ رأسَه نحوَ أمِّه بوجهٍ غارقٍ في الدموع. والتحمَت عيناه بعينَي بيبي فاطمة الدامعتَينِ المُحمرّتَين. وبصوتٍ جهوريٍّ تاريخيٍّ ظلَّ يتردّدُ في أروقةِ الزمنِ إلى الأبد، صرخَ:
«يا أمّاه... كوني قويّة! سأجدُ سبيلاً للعودةِ إليكم... يا أمّاه، كوني قويّة!»
وانقطعَ صوتُ محمّد، وابتلعَته العتبةُ المُظلِمة.
وانكمشَت بيبي فاطمة على ترابِ المعتقل. وكان العويلُ الذي خرجَ من صدرِها زلزالاً هزَّ الأرضَ والسماء. في ذلك اليومِ اختفى محمّدٌ إلى الأبد. مضَت قرابةُ عشرين عاماً، ولم يصِل عنه أثرٌ ولا رسالةٌ ولا خبر؛ فتىً ذوى مظلوماً في زنازينِ صدّامٍ المجهولة، وبقيَت لوعتُه في قلبِ بيبي فاطمة إلى يومِ مماتِها.
[[break]]
## ٥. الطردُ القسريُّ عبرَ الحدودِ وحضنُ إيرانَ الباكي
بعد انتزاعِ العمِّ محمّدٍ ابنِ الثامنةَ عشرةَ من حضنِ بيبي فاطمة انتزاعاً يُقطّعُ الأكباد، لم يبقَ للأمِّ روحٌ ولا رمق. عُذِّبَت روحُها في ذلك المعتقلِ الخانق؛ لكنّها كلّما وقعَ بصرُها على عيونِ عليٍّ والعمِّ نادرٍ والعمّةِ رؤيا والعمّةِ پروين الخائفة، علِمَت أنّ عليها من أجلِ من بقيَ من أبنائها أن تظلَّ راسخةً كالجبل، وأن تُنجيَهم من هذا المقتلِ المشؤوم.
وبعد أيّام، صدرَ أمرُ نظامِ البعثِ المشؤومُ القاسي بالطردِ الجماعيِّ القسريِّ للمعتقلين.
لم يُبدِ البعثيّون رحمةً قطّ. ألقَوا ببيبي فاطمة وأبنائها، مع مئاتِ الأُسَرِ المشرّدةِ البريئةِ الأخرى، في صناديقِ الشاحناتِ الحديديّةِ الحارقةِ كأسرى حرب، دون أن يسمحوا لهم بأخذِ قطعةِ ثوبٍ واحدةٍ أو تذكارٍ من البيت. وتحرّكَت الشاحناتُ بهديرٍ ناشز، تسوقُهم من المدينةِ الوحيدةِ التي عرَفوها — من قبابِ النجفِ الذهبيّة — إلى تخومِ الصحراء.
وعند النقطةِ الحدوديّةِ توقّفَت الشاحنات. أنزلَ جنودُ صدّامٍ المسلّحون بأحذيتِهم الثقيلةِ وشتائمِهم النساءَ والرجالَ والشيوخَ المرضى والأطفالَ الباكين، وساقوهم بتهديدِ السلاحِ والسياطِ نحوَ ترابِ إيران.
لم يكن ثمّةَ ممرٌّ مُعبَّد. فقد اضطُرَّ المشرّدون من ذوي الأصولِ الإيرانيّةِ إلى قطعِ كيلومتراتٍ من الدربِ الترابيِّ الوعرِ المزروعِ بحقولِ الألغامِ سيراً على الأقدام. وكانت بيبي فاطمة وعليٌّ يريانِ في الطريق، بعينَين دامعتَين، جُثَثَ الشيوخِ والزائرين الذين خرّوا على التراب من العطشِ أو الجوعِ أو من وطءِ لغمٍ خفيّ.
لكنّ بيبي فاطمة كانت تشدُّ على أيدي أبنائها وتقرأُ مع كلِّ خطوةٍ آيةَ الكرسيِّ بشفَتَين مطبقتَين. ولم يكن يدفعُ أرواحَهم المُنهَكةَ في تلك الصحراءِ اللاهبةِ إلى الأمامِ سوى الشوقِ إلى لقاءِ ظاهرٍ والعمِّ جلالٍ والعمّةِ خديجةَ في إيران.
وأخيراً، في سَحَرٍ مُشمِس، لمعَ علَمُ إيرانَ ذو الألوانِ الثلاثةِ عند النقطةِ الحدوديّة.
وما إن رأى حرسُ الحدودِ الإيرانيّون قافلةَ المشرّدين وأقدامَ بيبي وأبنائها الجريحةَ المُنهَكة، حتّى هرعوا لاستقبالِهم؛ ضمّوهم إلى صدورِهم، وجاؤوا بالأغطيةِ والماءِ الساخنِ والخبز، ووضعوهم تحت الرعايةِ الطبّيّة. فجثَت بيبي فاطمة على ترابِ الحدودِ وقبّلَت أرضَ الأمّ.
وبعد أيّام، لمّا وصلَت بيبي فاطمة وأبناؤها إلى أصفهانَ وقرَعوا بابَ الخالِ حسين، هرعَ ظاهرٌ والعمُّ جلالٌ والعمّةُ خديجةُ لاستقبالِ الأمِّ بالبكاءِ والزغاريد.
كان ذلك العناقُ وصالاً عظيماً، لكنّه كان مُرّاً غارقاً في الدمعِ إلى أعمقِ أعماقِه. وضعَت بيبي فاطمة رأسَها على كتفِ ظاهرٍ العريض، وسحبَت چادورَها على وجهِها، وقالت بأنينٍ يشقُّ الحجرَ ويُقطّعُ الأكباد: «يا ظاهر... أخذوا محمّداً... أخذوا محمّدي...»
في ذلك اليومِ اجتمعَ آلُ الموسويِّ من جديدٍ على ترابِ إيران، لكنّ فراغَ العمِّ محمّدٍ استحالَ جرحاً أبديّاً في قلبِ هذه الملحمة...
بعد فرارِ ظاهرٍ والعمِّ جلالٍ والعمّةِ خديجةَ خِلسةً في جوفِ الليلِ صوبَ حدودِ إيران، دخلَ بيتُ السادةِ في النجفِ زمناً مترعاً بالقلقِ والصمتِ والخوفِ والرجاء.
كانت بيبي فاطمة، وقلبُها يحترقُ لفراقِ ثلاثةٍ من أبنائها، تُدير عجلةَ البيتِ بصلابةٍ منقطعةِ النظيرِ استعارَتها من جذورِ السادة. وفي غضونِ ذلك جرَت تحوّلاتٌ في تركيبةِ الأسرة:
• زهرة وحليمة، كُبرى بناتِ البيت، تزوّجَتا ومضَتا بألفِ أمنيةٍ إلى بيتَيهما المستقلَّين في العراق.
• ولم يبقَ في البيتِ إلى جانبِ بيبي فاطمة سوى رؤيا وپروين، تُعينانِ الأمَّ في شؤونِ البيتِ وفي الغزلِ التقليديّ.
أمّا حِملُ الكسبِ وإدارةِ البيتِ الثقيلُ في ذلك الزمانِ العسيرِ الشحيحِ بالقوت، فقد وقعَ على أكتافِ فتيانِ الأسرةِ الثلاثة: عليّ، ونادر، والأهمُّ من الجميع: محمّد.
كان محمّدٌ فتىً رزيناً وقوراً مفعماً بحبِّ الحياة، لم يكد يُجاوزُ الثامنةَ عشرة. وكان يحلمُ بأن يصيرَ معلّماً؛ فلمّا فرَّ إخوتُه الكبار، شمَّرَ عن ساعدَيه بمروءةِ الرجال، وعملَ ليلَ نهارٍ كي لا يدعَ مائدةَ بيبي فاطمة تخلو. صارَ محمّدٌ سندَ بيبي وعصا يدِها؛ وكان كلَّ مساءٍ حين يعودُ إلى البيتِ يُقبّلُ يدَي أمِّه أوّلاً، ثمّ يمحو عن جسدِها تعبَ النهارِ بضحكاتِه النجيبة، ويُطمئنُها أنّه ما دامَ حيّاً فلن تستطيعَ عاصفةٌ أن تهزَّ سقفَ هذا البيت.
لكنّ نارَ الحربِ بين إيرانَ والعراقِ كانت تزدادُ اشتعالاً يوماً بعد يوم، ونظامُ البعثِ يُوجّهُ حقدَه العنصريَّ أكثرَ فأكثرَ نحوَ الأسَرِ ذاتِ الأصولِ الإيرانيّة.
[[break]]
## ٢. أمانةُ «نَنه سعد» واقتحامُ الأحذيةِ البعثيّة
وجاء عامُ ١٩٨٤. لم تعُد النجفُ تلك المدينةَ الهادئةَ ذاتَ القبابِ الذهبيّة؛ بل صارت سجناً كبيراً تملؤه الدورياتُ المسلّحةُ والتحقيقاتُ في الشوارعِ والكتاباتُ المتوعّدةُ على الجدران. وكانت أنباءُ مداهمةِ العناصرِ لبيوتِ ذوي الأصولِ الإيرانيّةِ ومصادرةِ أموالِهم تسري في الحيِّ كالصاعقة.
وكانت بيبي فاطمة، بذكائِها وبصيرتِها الأموميّة، تستشرفُ الأيّامَ السود. كانت تعلمُ جيّداً أنّ الدورَ سيبلغُ بيتَ السادةِ عمّا قريب. ولذلك، ولكي يسلمَ من مصادرةِ حكومةِ البعثِ الغاصبةِ الأثرُ الوحيدُ الباقي من زوجِها وسقفُ أبنائها الأبويّ، سلّمَت سرّاً سندَ البيتِ ومفتاحَه إلى صديقتِها وجارتِها الوفيّة «نَنه سعد». شدَّت بيبي على يدَي نَنه سعد وقالت بصوتٍ مرتعش: «يا نَنه سعد... ليكن هذا البيتُ وهذا الطينُ أمانةَ آلِ الرسولِ عندَك. احفظيه إلى اليومِ الذي يعودُ فيه أولادي...»
ولم يلبث حَدْسُ بيبي أن صارَ حقيقة.
ففي صباحٍ مُشمسٍ لاهب، كسرَ صمتَ الزقاقِ صريرُ مكابحَ ناشزٌ لعدّةِ شاحناتٍ عسكريّةٍ بعثيّة. حطّمَ الجنودُ الغلاظُ بأحذيتِهم الثقيلةِ بابَ الفناءِ الخشبيَّ دون إنذار، واقتحموا البيت.
وصاحَ الآمرُ البعثيُّ بلهجةٍ مملوءةٍ بالإهانةِ والعنف: «أنتم أعداءُ العراقِ وخَوَنتُه! لا يحقُّ لكم البقاءُ ولو ثانيةً واحدة! لا تأخذوا معكم شيئاً، فكلُّ شيءٍ ملكٌ للدولة!»
لم يُبدِ البعثيّون رحمةً قطّ. ساقوا بيبي فاطمة والعمّةَ رؤيا والعمّةَ پروين ومحمّداً وعليّاً والعمَّ نادراً نحوَ مخرجِ الفناءِ بالضربِ والإذلال. ولم تجد بيبي فاطمة فرصةً حتّى لتُسوّي چادورَها على رأسِها أو تنتعلَ حذاءَها. ألقى العناصرُ بأسرةِ السادةِ في صندوقِ شاحنةٍ حديديّةٍ حارقة؛ شاحنةٍ كان غطاؤها المشمّعُ يحترقُ من لهيبِ الشمس، ومضَت بهم بعيداً عن البيتِ الوحيدِ الذي بنَوه بدمِ القلب.
[[break]]
## ٣. جحيمُ المعتقلِ وعويلُ بيبي
نقلَت الشاحنةُ الأسرةَ مع عشراتِ الأُسَرِ الأخرى إلى واحدٍ من أكبرِ مراكزِ الاعتقالِ العامِّ وأشدِّها ازدحاماً على أطرافِ النجف.
كان المكانُ جحيماً حقيقيّاً. عنبرٌ كبيرٌ قذرٌ خانق، تموجُ في فضائِه رائحةُ الخوفِ والعَرَقِ والعَفَن. مئاتُ النساءِ والرجالِ والأطفالِ والشيوخِ المرضى مُتكوِّمون على ترابِ العنبرِ الوسِخ. وكان الفضاءُ يمتلئُ بعويلِ أمّهاتٍ أضعنَ أطفالَهنَّ في الزحام، وأنينِ مرضى بلا دواء، وقهقهاتِ الجنودِ البعثيّين الماجنة. وكلُّ من نبسَ باعتراضٍ خرَّ مضرَّجاً تحت السياطِ وكابلاتِ حرسِ البعث.
وكانت التهمةُ المشتركةُ لتلك الآلافِ من البشرِ شيئاً واحداً لا غير: أن يجريَ في عروقِهم دمٌ إيرانيٌّ ونسب!
جمعَت بيبي فاطمة أبناءَها حولَها كطائرٍ مَنتوفِ الريش. سحبَت چادورَها على رؤوسِ بناتِها، وشدَّت على يدَي محمّدٍ وعليٍّ شدّاً. وراحت — بتقسيمِ ما تجدُه من كِسَرِ الخبزِ اليابسِ الشحيحةِ، وبتمتمةِ سُوَرِ القرآنِ بشفَتَين مطبقتَين — تحاولُ أن تُبقيَ نورَ الأملِ حيّاً في تلك الظلمةِ المطبقة.
لكنّ أشأمَ حادثةٍ في تاريخِ آلِ الموسويِّ وقعَت في هذا المعتقلِ بالذات...
[[break]]
## ٤. فاجعةُ فِراقِ محمّد؛ «يا أمّاه... كوني قويّة!»
في صباحِ اليومِ التالي، دخلَ العنبرَ فجأةً نفرٌ من كبارِ ضبّاطِ البعثِ وبأيديهم قوائم. راحوا يبحثون عن الفتيانِ البالغين والشبّان.
وتسمّرَت عينا أحدِ الضبّاطِ القاسيتانِ على وجهِ محمّدٍ النضِرِ اليافعِ البريء. أشارَ الضابطُ بيدِه إلى محمّدٍ وأمرَ جنودَه: «افصلوا هذا! يُنقلُ إلى معسكرِ الشباب!»
ولمّا سمِعَت بيبي فاطمة هذا الأمر، طارَ صوابُها. ألقَت بنفسِها أمامَ الجنودِ كلبوةٍ جريحة، وضمَّت محمّداً إلى صدرِها، وصرخَت بأنينٍ وبكاءٍ يُذيبُ الفؤاد: «باللهِ عليكم... ارحموا! ما زالَ طفلاً... إنّه أملي! دَعوه يذهبُ مع أمِّه... اقتُلونا معاً ولا تفصِلوه عنّي!»
لكنّ قلوبَ البعثيّين كانت مصنوعةً من حجرٍ وحقد. وكانت حُجّتُهم الرسميّةُ أنّ الشبّانَ يجب ألّا يُنفَوا إلى إيرانَ لئلّا يلتحقوا بالجيشِ الإيرانيّ.
جذبَ جنديّانِ ضخمانِ بكاملِ القسوةِ يدَي بيبي فاطمة النحيلتَين، وقذفا بها على ترابِ المعتقل. راحت بيبي تزحفُ على التراب، تتشبّثُ بأحذيةِ الجنودِ وتتوسّل. وكان محمّدٌ يتخبّطُ ويجذبُ ياقاتِ الجنودِ ويصرخُ ليُفلتَ ويعودَ إلى حضنِ أمِّه، لكنّ الكابلاتِ الثقيلةَ انهالَت على رأسِه ووجهِه.
وسحبَ الجنودُ محمّداً الفتى سحباً نحوَ مخرجِ العنبر.
وفي اللحظةِ الأخيرة، عند العتبةِ تماماً، أدارَ محمّدٌ رأسَه نحوَ أمِّه بوجهٍ غارقٍ في الدموع. والتحمَت عيناه بعينَي بيبي فاطمة الدامعتَينِ المُحمرّتَين. وبصوتٍ جهوريٍّ تاريخيٍّ ظلَّ يتردّدُ في أروقةِ الزمنِ إلى الأبد، صرخَ:
«يا أمّاه... كوني قويّة! سأجدُ سبيلاً للعودةِ إليكم... يا أمّاه، كوني قويّة!»
وانقطعَ صوتُ محمّد، وابتلعَته العتبةُ المُظلِمة.
وانكمشَت بيبي فاطمة على ترابِ المعتقل. وكان العويلُ الذي خرجَ من صدرِها زلزالاً هزَّ الأرضَ والسماء. في ذلك اليومِ اختفى محمّدٌ إلى الأبد. مضَت قرابةُ عشرين عاماً، ولم يصِل عنه أثرٌ ولا رسالةٌ ولا خبر؛ فتىً ذوى مظلوماً في زنازينِ صدّامٍ المجهولة، وبقيَت لوعتُه في قلبِ بيبي فاطمة إلى يومِ مماتِها.
[[break]]
## ٥. الطردُ القسريُّ عبرَ الحدودِ وحضنُ إيرانَ الباكي
بعد انتزاعِ العمِّ محمّدٍ ابنِ الثامنةَ عشرةَ من حضنِ بيبي فاطمة انتزاعاً يُقطّعُ الأكباد، لم يبقَ للأمِّ روحٌ ولا رمق. عُذِّبَت روحُها في ذلك المعتقلِ الخانق؛ لكنّها كلّما وقعَ بصرُها على عيونِ عليٍّ والعمِّ نادرٍ والعمّةِ رؤيا والعمّةِ پروين الخائفة، علِمَت أنّ عليها من أجلِ من بقيَ من أبنائها أن تظلَّ راسخةً كالجبل، وأن تُنجيَهم من هذا المقتلِ المشؤوم.
وبعد أيّام، صدرَ أمرُ نظامِ البعثِ المشؤومُ القاسي بالطردِ الجماعيِّ القسريِّ للمعتقلين.
لم يُبدِ البعثيّون رحمةً قطّ. ألقَوا ببيبي فاطمة وأبنائها، مع مئاتِ الأُسَرِ المشرّدةِ البريئةِ الأخرى، في صناديقِ الشاحناتِ الحديديّةِ الحارقةِ كأسرى حرب، دون أن يسمحوا لهم بأخذِ قطعةِ ثوبٍ واحدةٍ أو تذكارٍ من البيت. وتحرّكَت الشاحناتُ بهديرٍ ناشز، تسوقُهم من المدينةِ الوحيدةِ التي عرَفوها — من قبابِ النجفِ الذهبيّة — إلى تخومِ الصحراء.
وعند النقطةِ الحدوديّةِ توقّفَت الشاحنات. أنزلَ جنودُ صدّامٍ المسلّحون بأحذيتِهم الثقيلةِ وشتائمِهم النساءَ والرجالَ والشيوخَ المرضى والأطفالَ الباكين، وساقوهم بتهديدِ السلاحِ والسياطِ نحوَ ترابِ إيران.
لم يكن ثمّةَ ممرٌّ مُعبَّد. فقد اضطُرَّ المشرّدون من ذوي الأصولِ الإيرانيّةِ إلى قطعِ كيلومتراتٍ من الدربِ الترابيِّ الوعرِ المزروعِ بحقولِ الألغامِ سيراً على الأقدام. وكانت بيبي فاطمة وعليٌّ يريانِ في الطريق، بعينَين دامعتَين، جُثَثَ الشيوخِ والزائرين الذين خرّوا على التراب من العطشِ أو الجوعِ أو من وطءِ لغمٍ خفيّ.
لكنّ بيبي فاطمة كانت تشدُّ على أيدي أبنائها وتقرأُ مع كلِّ خطوةٍ آيةَ الكرسيِّ بشفَتَين مطبقتَين. ولم يكن يدفعُ أرواحَهم المُنهَكةَ في تلك الصحراءِ اللاهبةِ إلى الأمامِ سوى الشوقِ إلى لقاءِ ظاهرٍ والعمِّ جلالٍ والعمّةِ خديجةَ في إيران.
وأخيراً، في سَحَرٍ مُشمِس، لمعَ علَمُ إيرانَ ذو الألوانِ الثلاثةِ عند النقطةِ الحدوديّة.
وما إن رأى حرسُ الحدودِ الإيرانيّون قافلةَ المشرّدين وأقدامَ بيبي وأبنائها الجريحةَ المُنهَكة، حتّى هرعوا لاستقبالِهم؛ ضمّوهم إلى صدورِهم، وجاؤوا بالأغطيةِ والماءِ الساخنِ والخبز، ووضعوهم تحت الرعايةِ الطبّيّة. فجثَت بيبي فاطمة على ترابِ الحدودِ وقبّلَت أرضَ الأمّ.
وبعد أيّام، لمّا وصلَت بيبي فاطمة وأبناؤها إلى أصفهانَ وقرَعوا بابَ الخالِ حسين، هرعَ ظاهرٌ والعمُّ جلالٌ والعمّةُ خديجةُ لاستقبالِ الأمِّ بالبكاءِ والزغاريد.
كان ذلك العناقُ وصالاً عظيماً، لكنّه كان مُرّاً غارقاً في الدمعِ إلى أعمقِ أعماقِه. وضعَت بيبي فاطمة رأسَها على كتفِ ظاهرٍ العريض، وسحبَت چادورَها على وجهِها، وقالت بأنينٍ يشقُّ الحجرَ ويُقطّعُ الأكباد: «يا ظاهر... أخذوا محمّداً... أخذوا محمّدي...»
في ذلك اليومِ اجتمعَ آلُ الموسويِّ من جديدٍ على ترابِ إيران، لكنّ فراغَ العمِّ محمّدٍ استحالَ جرحاً أبديّاً في قلبِ هذه الملحمة...
الفصلُ الخامس: ظِلالُ الحربِ في أصفهانَ وعروجُ عليٍّ مظلوماً
## ١. حضنُ أصفهانَ وطفولتي في سنواتِ القصف
كانت أصفهانُ بالنسبةِ إلينا مدينةً بوجهَين مختلفَين. فمن جهةٍ كان زايندهرودُ المتدفّقُ والجسورُ التاريخيّةُ والشوارعُ المكتظّةُ بأشجارِ الدُّلْبِ تحملُ سكينةً نسبيّة؛ ومن جهةٍ أخرى كان بركانُ الحربِ ذاتِ السنواتِ الثماني مع العراقِ قد أطبقَ على المدينةِ كلِّها. كانت صفّاراتُ الإنذارِ الحمراءُ للغاراتِ الجوّيّةِ تتردّدُ في الليالي الباردة، ودويُّ القصفِ المروِّعِ الآتي من جيشِ البعثِ يهزُّ الجدران، وطوابيرُ كوبوناتِ الطعامِ الطويلةُ وشحُّ اللحمِ الشديدُ قد كسا وجهَ المدينةِ بالرماد.
ومع ذلك، كان البيتُ بالنسبةِ إليَّ عالماً مترعاً بدفءِ الأهل. فإلى جانبِ عملِ أبي ظاهرٍ ليلَ نهارٍ في الصيدليّة، وتمديداتِ العمِّ جلالٍ الكهربائيّة، كانت بيبي فاطمة قد نصبَت مغازلَها التقليديّةَ في ركنِ الغرفة. كنتُ طفلاً في أوّلِ خطواتِه، أجلسُ غالباً إلى جوارِ وسادةِ بيبي، أُحدّقُ في دورانِ مكّوكاتِها الموزون، وألهو بأزرارِ ثيابي. وكانت بيبي إذا رأتني تركَت العملَ وأغرقَتني بالقُبَل، وتشمّمَت في جسدي رائحةَ أبي ظاهر.
[[break]]
## ٢. مقعدُ العمِّ محمّدٍ الخالي
كانت حياةٌ جديدةٌ قد بدأَت لنا في أصفهان. في كلِّ نهايةِ أسبوعٍ كان الأهلُ جميعاً يجتمعون؛ فتصلُ العمّةُ رؤيا مع زوجِها حميدٍ وطفلَيهما حامدٍ وليلى. صارَ حامدٌ أعزَّ أصدقاءِ طفولتي، وكانت ليلى تلك الفتاةَ التي كان لنظرتِها إليَّ — منذ تلك السنِّ الصغيرة — طَعمٌ مختلفٌ محبوب.
غير أنّ مقعداً واحداً ظلَّ خالياً في تلك الجلساتِ كلِّها: مقعدُ العمِّ محمّدٍ المفقود.
كانت صورةُ تلك اللحظةِ المروِّعةِ في معتقلِ النجف، حين جذبَ الجنودُ البعثيّون محمّداً من حضنِ بيبي فاطمة فصرخَ في الثانيةِ الأخيرة: «يا أمّاه... كوني قويّة! سأعود»، تجثمُ على روحِ بيبي ككابوسٍ أبديّ.
وكلّما رنَّ جرسُ البابِ، أو وصلَتنا رسالةٌ من الأقاربِ الذين بقُوا في العراق، هرَعَت بيبي فاطمة بيدَين مرتعشتَين نحوَ الباب، على أملِ أن تجدَ خبراً أو أثراً لمحمّدِها المفقود. لكنّ السنينَ كانت تمضي ولا أحدَ في العراقِ ولا في إيرانَ يدري ماذا حلَّ بذلك الفتى اليافع.
أمّا أبي ظاهر، بوصفِه الأخَ الأكبر، فكان يحملُ ثِقلَ هذا الفراقِ على كتفَيه في صمت. هو الذي عُذِّبَ ذاتَ يومٍ ستّةَ أشهرٍ في زنازينِ البعث، كان يعلمُ جيّداً أيَّ جحيمٍ هي سجونُ صدّام؛ لكنّه، لئلّا يحترقَ قلبُ بيبي، كان يُواسيها دائماً ويقول: «يا أمّاه، محمّدٌ قويّ... سيعودُ يوماً.»
[[break]]
## ٣. نارُ السياسةِ والحافلةُ التي لا تعود
ومن بين أحزانِ البيتِ جميعاً، كان أمرُّها وأفدحُها ذلك الصدعَ الذي انفتحَ بين أبي ظاهرٍ والعمِّ عليّ.
لم أكن يومَها سوى طفلٍ صغير، لكنّ صوراً مشوّشةً مملوءةً بالفزعِ من تلك الأيّامِ انحفرَت في ذهني؛ أيّاماً كانت نارُ السياسةِ والأيديولوجيا والحربِ بين إيرانَ والعراقِ تحرقُ البيتَ كلَّه. أخوانِ كانا في النجفِ سنداً لبعضِهما، صارا الآنَ يقفانِ متقابلَين على طرفَي رؤيةٍ سياسيّة. وبلغَ الأمرُ حدَّ الخصوماتِ العنيفةِ والعِراكِ الدامي والصرخاتِ التي تُقطّعُ القلب. وكان العمُّ عليٌّ في ذروةِ غضبِه يُهدِّدُ بأن يُحرقَ بيتَنا وأسرتَنا!
وما زالَ صوتُ أبي يرنُّ في أذني، وهو يجمعُنا نحن الصغارَ حولَه بوجهٍ مضطربٍ قلقٍ ويقول: «إن أرادَ العمُّ عليٌّ يوماً أن يدخلَ البيت، فأقفِلوا البابَ من الداخلِ فوراً!»
كنتُ أرتجفُ بجسدي الصغيرِ خلفَ البابِ المُقفَل، ولا أفهمُ لِمَ ينبغي للسياسةِ أن تُوقعَ أخوَين ببعضِهما هكذا.
وأخيراً، لمّا لم يعُد العمُّ عليٌّ يُطيقُ عُمقَ هذه الخلافاتِ في الرؤيةِ ولا البقاءَ في إيران، حسمَ أمرَه؛ فتركَ أصفهانَ وتركَنا إلى الأبدِ ليعودَ إلى العراق.
ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى نزلَ على الأسرةِ خبرٌ كالصاعقة. سمِعنا أنّ العمَّ عليّاً كان في طريقِ عودتِه على متنِ حافلةٍ مملوءةٍ بالمهاجرين الهاربين، وأنّ قوّاتِ البعثِ استهدفَتها قربَ الحدودِ برشقاتٍ لا ترحم. أمطرَ البعثيّون الحافلةَ بالرصاص، فاستُشهِدَ العمُّ عليٌّ مع عشراتٍ من الركّابِ الأبرياءِ الآخرين بين النارِ والدم.
ولمّا بلغَ خبرُ إعدامِ ركّابِ الحافلةِ رمياً بالرصاصِ أصفهانَ، انهارَت بيبي فاطمة. انحنَت قامةُ تلك المرأةِ الراسخةِ إلى الأبد؛ فقد فقدَت الآنَ ابنَين اثنَين: «محمّداً» الذي اختفى في زنازينِ صدّام، و«عليّاً» الذي صارَ ضحيّةَ نارِ السياسةِ ورصاصِ الحدود...
[[break]]
## ٤. عتبةُ الثالثةَ عشرةَ ورباطُ الكُتب
مضَت السنون، وانتهَت الحربُ ذاتُ السنواتِ الثماني أخيراً.
شببتُ في هذا المناخِ الممزوجِ بالحزنِ المقدّس، وبين حكاياتِ بيبي وتضحياتِ أبي ظاهر، حتّى بلغتُ الثالثةَ عشرة. أمّا أمّي مرضيّة، وكانت هي نفسُها امرأةً مُعذَّبةً تُقاسي من الضغوطِ النفسيّةِ ومن سلوكِ الأقارب، فقد فتحَت صالونَ تجميلٍ صغيراً في الطابقِ العلويِّ لتُعينَ على نفقاتِ المعيشة. وكانت أختايَ الصغيرتانِ فائزة ومريم بهجةَ بيتِنا وحيويّتَه.
ومع ذلك، لم تكن الأحقادُ القديمةُ والتمييزُ اليوميُّ يُخلّيانِ سبيلَ الأسرة. فقد انحنَت أمّي مرضيّةُ تحت وطأةِ الاكتئاب، وظلّت بيبي فاطمة تحترقُ في حِدادِها على أبنائها.
وفي أيّارَ (مايو) من عامِ ١٩٩٥، حين كنتُ في الثالثةَ عشرةَ تماماً، أرسلَ أبي ظاهرٌ أمّي مرضيّةَ وبيبي فاطمة في رحلةِ زيارةٍ إلى سوريّةَ مدّتَها أسبوعان، ليغسلَ عن قلبَيهما غبارَ الأحزان...
وهذه هي النقطةُ بعينِها التي تضعُ فيها «قصّةُ المؤسِّس ٢» يدَها في يدِ «قصّةِ المؤسِّس ١»؛ حيث تعودُ أمّي مرضيّةُ بحقيبةٍ تفوحُ منها رائحةُ الياسمينِ ودمشق، وأُخرجُ أنا المفتاحَ الخشِنَ من جيبي، فتقومُ عاصفةٌ تُغيّرُ مسارَ حياتِنا إلى الأبد...
كانت أصفهانُ بالنسبةِ إلينا مدينةً بوجهَين مختلفَين. فمن جهةٍ كان زايندهرودُ المتدفّقُ والجسورُ التاريخيّةُ والشوارعُ المكتظّةُ بأشجارِ الدُّلْبِ تحملُ سكينةً نسبيّة؛ ومن جهةٍ أخرى كان بركانُ الحربِ ذاتِ السنواتِ الثماني مع العراقِ قد أطبقَ على المدينةِ كلِّها. كانت صفّاراتُ الإنذارِ الحمراءُ للغاراتِ الجوّيّةِ تتردّدُ في الليالي الباردة، ودويُّ القصفِ المروِّعِ الآتي من جيشِ البعثِ يهزُّ الجدران، وطوابيرُ كوبوناتِ الطعامِ الطويلةُ وشحُّ اللحمِ الشديدُ قد كسا وجهَ المدينةِ بالرماد.
ومع ذلك، كان البيتُ بالنسبةِ إليَّ عالماً مترعاً بدفءِ الأهل. فإلى جانبِ عملِ أبي ظاهرٍ ليلَ نهارٍ في الصيدليّة، وتمديداتِ العمِّ جلالٍ الكهربائيّة، كانت بيبي فاطمة قد نصبَت مغازلَها التقليديّةَ في ركنِ الغرفة. كنتُ طفلاً في أوّلِ خطواتِه، أجلسُ غالباً إلى جوارِ وسادةِ بيبي، أُحدّقُ في دورانِ مكّوكاتِها الموزون، وألهو بأزرارِ ثيابي. وكانت بيبي إذا رأتني تركَت العملَ وأغرقَتني بالقُبَل، وتشمّمَت في جسدي رائحةَ أبي ظاهر.
[[break]]
## ٢. مقعدُ العمِّ محمّدٍ الخالي
كانت حياةٌ جديدةٌ قد بدأَت لنا في أصفهان. في كلِّ نهايةِ أسبوعٍ كان الأهلُ جميعاً يجتمعون؛ فتصلُ العمّةُ رؤيا مع زوجِها حميدٍ وطفلَيهما حامدٍ وليلى. صارَ حامدٌ أعزَّ أصدقاءِ طفولتي، وكانت ليلى تلك الفتاةَ التي كان لنظرتِها إليَّ — منذ تلك السنِّ الصغيرة — طَعمٌ مختلفٌ محبوب.
غير أنّ مقعداً واحداً ظلَّ خالياً في تلك الجلساتِ كلِّها: مقعدُ العمِّ محمّدٍ المفقود.
كانت صورةُ تلك اللحظةِ المروِّعةِ في معتقلِ النجف، حين جذبَ الجنودُ البعثيّون محمّداً من حضنِ بيبي فاطمة فصرخَ في الثانيةِ الأخيرة: «يا أمّاه... كوني قويّة! سأعود»، تجثمُ على روحِ بيبي ككابوسٍ أبديّ.
وكلّما رنَّ جرسُ البابِ، أو وصلَتنا رسالةٌ من الأقاربِ الذين بقُوا في العراق، هرَعَت بيبي فاطمة بيدَين مرتعشتَين نحوَ الباب، على أملِ أن تجدَ خبراً أو أثراً لمحمّدِها المفقود. لكنّ السنينَ كانت تمضي ولا أحدَ في العراقِ ولا في إيرانَ يدري ماذا حلَّ بذلك الفتى اليافع.
أمّا أبي ظاهر، بوصفِه الأخَ الأكبر، فكان يحملُ ثِقلَ هذا الفراقِ على كتفَيه في صمت. هو الذي عُذِّبَ ذاتَ يومٍ ستّةَ أشهرٍ في زنازينِ البعث، كان يعلمُ جيّداً أيَّ جحيمٍ هي سجونُ صدّام؛ لكنّه، لئلّا يحترقَ قلبُ بيبي، كان يُواسيها دائماً ويقول: «يا أمّاه، محمّدٌ قويّ... سيعودُ يوماً.»
[[break]]
## ٣. نارُ السياسةِ والحافلةُ التي لا تعود
ومن بين أحزانِ البيتِ جميعاً، كان أمرُّها وأفدحُها ذلك الصدعَ الذي انفتحَ بين أبي ظاهرٍ والعمِّ عليّ.
لم أكن يومَها سوى طفلٍ صغير، لكنّ صوراً مشوّشةً مملوءةً بالفزعِ من تلك الأيّامِ انحفرَت في ذهني؛ أيّاماً كانت نارُ السياسةِ والأيديولوجيا والحربِ بين إيرانَ والعراقِ تحرقُ البيتَ كلَّه. أخوانِ كانا في النجفِ سنداً لبعضِهما، صارا الآنَ يقفانِ متقابلَين على طرفَي رؤيةٍ سياسيّة. وبلغَ الأمرُ حدَّ الخصوماتِ العنيفةِ والعِراكِ الدامي والصرخاتِ التي تُقطّعُ القلب. وكان العمُّ عليٌّ في ذروةِ غضبِه يُهدِّدُ بأن يُحرقَ بيتَنا وأسرتَنا!
وما زالَ صوتُ أبي يرنُّ في أذني، وهو يجمعُنا نحن الصغارَ حولَه بوجهٍ مضطربٍ قلقٍ ويقول: «إن أرادَ العمُّ عليٌّ يوماً أن يدخلَ البيت، فأقفِلوا البابَ من الداخلِ فوراً!»
كنتُ أرتجفُ بجسدي الصغيرِ خلفَ البابِ المُقفَل، ولا أفهمُ لِمَ ينبغي للسياسةِ أن تُوقعَ أخوَين ببعضِهما هكذا.
وأخيراً، لمّا لم يعُد العمُّ عليٌّ يُطيقُ عُمقَ هذه الخلافاتِ في الرؤيةِ ولا البقاءَ في إيران، حسمَ أمرَه؛ فتركَ أصفهانَ وتركَنا إلى الأبدِ ليعودَ إلى العراق.
ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى نزلَ على الأسرةِ خبرٌ كالصاعقة. سمِعنا أنّ العمَّ عليّاً كان في طريقِ عودتِه على متنِ حافلةٍ مملوءةٍ بالمهاجرين الهاربين، وأنّ قوّاتِ البعثِ استهدفَتها قربَ الحدودِ برشقاتٍ لا ترحم. أمطرَ البعثيّون الحافلةَ بالرصاص، فاستُشهِدَ العمُّ عليٌّ مع عشراتٍ من الركّابِ الأبرياءِ الآخرين بين النارِ والدم.
ولمّا بلغَ خبرُ إعدامِ ركّابِ الحافلةِ رمياً بالرصاصِ أصفهانَ، انهارَت بيبي فاطمة. انحنَت قامةُ تلك المرأةِ الراسخةِ إلى الأبد؛ فقد فقدَت الآنَ ابنَين اثنَين: «محمّداً» الذي اختفى في زنازينِ صدّام، و«عليّاً» الذي صارَ ضحيّةَ نارِ السياسةِ ورصاصِ الحدود...
[[break]]
## ٤. عتبةُ الثالثةَ عشرةَ ورباطُ الكُتب
مضَت السنون، وانتهَت الحربُ ذاتُ السنواتِ الثماني أخيراً.
شببتُ في هذا المناخِ الممزوجِ بالحزنِ المقدّس، وبين حكاياتِ بيبي وتضحياتِ أبي ظاهر، حتّى بلغتُ الثالثةَ عشرة. أمّا أمّي مرضيّة، وكانت هي نفسُها امرأةً مُعذَّبةً تُقاسي من الضغوطِ النفسيّةِ ومن سلوكِ الأقارب، فقد فتحَت صالونَ تجميلٍ صغيراً في الطابقِ العلويِّ لتُعينَ على نفقاتِ المعيشة. وكانت أختايَ الصغيرتانِ فائزة ومريم بهجةَ بيتِنا وحيويّتَه.
ومع ذلك، لم تكن الأحقادُ القديمةُ والتمييزُ اليوميُّ يُخلّيانِ سبيلَ الأسرة. فقد انحنَت أمّي مرضيّةُ تحت وطأةِ الاكتئاب، وظلّت بيبي فاطمة تحترقُ في حِدادِها على أبنائها.
وفي أيّارَ (مايو) من عامِ ١٩٩٥، حين كنتُ في الثالثةَ عشرةَ تماماً، أرسلَ أبي ظاهرٌ أمّي مرضيّةَ وبيبي فاطمة في رحلةِ زيارةٍ إلى سوريّةَ مدّتَها أسبوعان، ليغسلَ عن قلبَيهما غبارَ الأحزان...
وهذه هي النقطةُ بعينِها التي تضعُ فيها «قصّةُ المؤسِّس ٢» يدَها في يدِ «قصّةِ المؤسِّس ١»؛ حيث تعودُ أمّي مرضيّةُ بحقيبةٍ تفوحُ منها رائحةُ الياسمينِ ودمشق، وأُخرجُ أنا المفتاحَ الخشِنَ من جيبي، فتقومُ عاصفةٌ تُغيّرُ مسارَ حياتِنا إلى الأبد...
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
المحتويات
يُعزف الآن
انقر لتشغيل الصوت
لقد أنهيت للتوّ فصلًا.
جلس أحدهم وكتب هذا. إن كان يستحق وقتك، فقُل له — والمبلغ يصل إليه مباشرةً.
Apple Pay أو Google Pay أو البطاقة — بنقرة واحدة.