✦ قصة حقيقية
حكاية المؤسِّس — الجزء الثاني
رواية قصيرة وحقيقية — بقلم الفنان نفسه.
❦ النهاية
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
كُتب هذا الكتاب ونُشر هنا — وكتابك يمكنه ذلك أيضًا.
انشر كتابك أنتتمهيد: جذورٌ في ترابِ النجف
لطالما قيل إنّ الخيوطَ لا تكذب.
قبل أن تربطَ المحيطاتُ التائهةُ، والقواربُ المحطَّمةُ، والحدودُ الشائكةُ، قدَرَنا بترابِ أستراليا، كان كلُّ شيءٍ قد بدأ في فناءٍ صغيرٍ مفروشٍ بالطين، في بيتٍ على أطرافِ مدينةِ النجفِ العتيقة. امرأةٌ وقورٌ راسخةٌ اسمُها بيبي فاطمة، كانت في كلِّ يومٍ قبل انبلاجِ الفجر، وقبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذِّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، تجثو على ركبتَيها وتُديرُ أصابعَها المتعَبةَ على المغازلِ التقليديّة — تلك المكّوكات.
لم تكن حركةُ تلك المغازلِ الإيقاعيّةُ مجرّدَ سبيلٍ لكسبِ الرزقِ وإدارةِ عجلةِ حياةِ امرأةٍ وحيدةٍ لا سندَ لها في قلبِ الفقرِ والخناقِ العراقيّ؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً على دروبِ التاريخِ الموجِعة، وأن تُولَدَ من جديد، وأن تنجوَ من بين رمادِ الحروبِ والأَسْر.
هذا الكتابُ روايةٌ واقعيّةٌ تماماً، كُتِبت ببناءٍ ومعالجةٍ سينمائيّة (Cinematic Non-Fiction)؛ روايةٌ عن زمنٍ كان فيه «ظاهر» (أبي) لا يزالُ شابّاً هادئاً متأمِّلاً في صيدليّةٍ صغيرةٍ في النجف؛ زمنٍ لم يكن قد صِيغَ فيه بعدُ ذلك المفتاحُ المشؤومُ لعامي الثالثَ عشر، وكانت جذورُ آلِ الموسويّ لا تزالُ تتنفّسُ في ترابِ النجف.
________________________________________
> 📌 ملاحظةٌ من المؤلِّف حول الأسماءِ والتفاصيل: حفاظاً على الحقوقِ المعنويّة، واحتراماً لخصوصيّةِ الأشخاص، ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّة، جرى في هذا العملِ تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذِكرُها بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ الحقيقيُّ لحياتِنا، وقد صُقِلَ بسحرِ القلمِ والمعالجةِ الروائيّة.
________________________________________
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلم محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو مسرحيّةٍ أو إنتاجٍ صوتيٍّ أو بودكاست أو إعادةِ إنشاءٍ بالذكاءِ الاصطناعيّ أو ترجمةٍ إلى لغاتٍ أخرى، من دونِ إذنٍ خطّيٍّ رسميٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، وللمؤلِّفِ حقُّ الملاحقةِ القانونيّةِ والدوليّة.
قبل أن تربطَ المحيطاتُ التائهةُ، والقواربُ المحطَّمةُ، والحدودُ الشائكةُ، قدَرَنا بترابِ أستراليا، كان كلُّ شيءٍ قد بدأ في فناءٍ صغيرٍ مفروشٍ بالطين، في بيتٍ على أطرافِ مدينةِ النجفِ العتيقة. امرأةٌ وقورٌ راسخةٌ اسمُها بيبي فاطمة، كانت في كلِّ يومٍ قبل انبلاجِ الفجر، وقبل أن يرتفعَ صوتُ أوّلِ مؤذِّنٍ من القبّةِ الذهبيّةِ للحرم، تجثو على ركبتَيها وتُديرُ أصابعَها المتعَبةَ على المغازلِ التقليديّة — تلك المكّوكات.
لم تكن حركةُ تلك المغازلِ الإيقاعيّةُ مجرّدَ سبيلٍ لكسبِ الرزقِ وإدارةِ عجلةِ حياةِ امرأةٍ وحيدةٍ لا سندَ لها في قلبِ الفقرِ والخناقِ العراقيّ؛ بل كانت تلك الحركةُ صوتَ النبضِ المتّصلِ لقلبِ عائلةٍ كُتِبَ لها أن تتمزّقَ مِراراً على دروبِ التاريخِ الموجِعة، وأن تُولَدَ من جديد، وأن تنجوَ من بين رمادِ الحروبِ والأَسْر.
هذا الكتابُ روايةٌ واقعيّةٌ تماماً، كُتِبت ببناءٍ ومعالجةٍ سينمائيّة (Cinematic Non-Fiction)؛ روايةٌ عن زمنٍ كان فيه «ظاهر» (أبي) لا يزالُ شابّاً هادئاً متأمِّلاً في صيدليّةٍ صغيرةٍ في النجف؛ زمنٍ لم يكن قد صِيغَ فيه بعدُ ذلك المفتاحُ المشؤومُ لعامي الثالثَ عشر، وكانت جذورُ آلِ الموسويّ لا تزالُ تتنفّسُ في ترابِ النجف.
________________________________________
> 📌 ملاحظةٌ من المؤلِّف حول الأسماءِ والتفاصيل: حفاظاً على الحقوقِ المعنويّة، واحتراماً لخصوصيّةِ الأشخاص، ومراعاةً للاعتباراتِ القانونيّة، جرى في هذا العملِ تغييرُ أسماءِ بعضِ الشخصيّاتِ وبعضِ الأماكن، أو ذِكرُها بأسماءٍ مستعارة. وما تقرؤونه في هذه الصفحاتِ هو الميثاقُ العاري الصادقُ الحقيقيُّ لحياتِنا، وقد صُقِلَ بسحرِ القلمِ والمعالجةِ الروائيّة.
________________________________________
> © ٢٠٢٦ جميعُ حقوقِ هذا العملِ محفوظة. بقلم محسن الموسوي. إنّ أيَّ نسخٍ أو إعادةِ نشرٍ أو اقتباسٍ أو معالجةٍ سينمائيّةٍ أو مسرحيّةٍ أو إنتاجٍ صوتيٍّ أو بودكاست أو إعادةِ إنشاءٍ بالذكاءِ الاصطناعيّ أو ترجمةٍ إلى لغاتٍ أخرى، من دونِ إذنٍ خطّيٍّ رسميٍّ من المؤلِّف، محظورٌ شرعاً وقانوناً، وللمؤلِّفِ حقُّ الملاحقةِ القانونيّةِ والدوليّة.
الفصلُ الأوّل: بيتُ السادةِ وشرارةٌ في الزنزانة
## ١. عبقُ الخُمسِ والزكاةِ في بيتِ السادة
كانت أزقّةُ النجفِ الترابيّةُ المتعرّجةُ تحترقُ تحت شمسِ الباديةِ اللاهبة، غير أنّ في نهايةِ أحدِ دروبِها المسدودةِ الهادئة بيتاً كان ظلُّه يختلفُ عن ظلِّ الحيِّ كلِّه.
جدرانُه المبنيّةُ من الطينِ والتبنِ والمُكسوّةُ بالجصِّ الأبيض كانت ملاذَ أسرةٍ من نسلِ السادةِ الأطهار. وفي نجفِ ذلك الزمان، كان أهلُ الحيِّ المتديّنون المؤمنون يُكِنّون لآلِ الموسويِّ احتراماً مَهيباً. بيبي فاطمة — تلك المرأةُ الوقورُ التي فقدَت زوجَها الشابَّ «محسن» قبل سنوات — كانت تُدير عجلةَ هذه الحياةِ إلى جانبِ زوجِها الشفيقِ سِدمير، أخي زوجِها الراحل، الذي غدا بمروءتِه الإنسانيّةِ ظلاًّ يستظلُّ به اليتامى.
أمّا البيتُ الذي كانوا يتنفّسون فيه، فكان هديّةَ أهلِ المحلّةِ وبركةَ موائدِهم. كان المؤمنون يُقدّمون خُمسَ أموالِهم وزكاتَها بفخرٍ وخشوعٍ إلى هذه الأسرةِ العلويّة، ليكونَ بركةُ دعاءِ بيبي فاطمة ونسلِها المطهَّرِ نوراً يُضيءُ حيَّهم. وفي فناءِ البيتِ الصغير، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، كانت تُبسَطُ مائدةٌ خبزُها من احترامِ الناس، وإدامُها من محبّةِ أهلِ الديار. وكانت بيبي فاطمة، في عتمةِ السَّحَرِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، تُدير مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّة، لتصونَ — إلى جانبِ ذلك الحبِّ الشعبيِّ — كبرياءَ أسرتِها واستقلالَها.
أمّا الابنُ الأكبرُ للبيت، ظاهر، فكان فتىً مُطرِقاً متأمِّلاً عفيفَ النظر، يعملُ في صيدليّةِ الحيّ. عرفَه الجميعُ بنجابتِه وعلمِه. لكن خلفَ ذلك المُحيّا الهادئِ الرزين، كانت تنبضُ روحٌ قلِقةٌ ظامئةٌ إلى معرفةِ العالمِ الذي وراءَ الأسوار.
[[break]]
## ٢. لهفةُ الدروب؛ من باديةِ الشامِ إلى تخومِ إسطنبول
على خلافِ ما ظنَّه الجميعُ حين رأوا في ظاهرٍ فتىً قعيدَ البيت، كان عاشقاً لا حدَّ لعشقِه للسفرِ والطرقات. احترقَت شبيبتُه في ظمأٍ إلى رؤيةِ الآفاقِ البعيدة. وكلّما سنحَت له فرصةٌ وادّخرَ بضعةَ دنانير، شدَّ صُرّتَه الصغيرةَ ليلمسَ غربةَ المدنِ الأخرى وجمالَها.
كان أعظمُ ما يجذبُه من أسفارٍ في البدايةِ بلادَ الشامِ ومدينةَ دمشقَ العتيقة. كان يمضي الأيّامَ يمشي بين أسواقِ سوريّةَ المسقوفة، إلى جوارِ المزاراتِ المقدّسة، وبين عبقِ الليمونِ وياسمينِ دمشق، يجالسُ الغرباءَ ويُحاورُهم، فيمدُّ أفقَ فكرِه إلى ما وراءَ أسوارِ النجف.
لكنّ شهيّتَه لاكتشافِ الدنيا لم تقف عند سوريّة؛ فكانت خطوتُه التاليةَ رحلةً إلى قلبِ الإمبراطوريّةِ العتيقة: تركيا. مضى ظاهرٌ إلى الدروبِ الشماليّة. وكان في مشاهدةِ عمارةِ إسطنبول، والحقولِ الخضراءِ الممتدّة، ودراما التقاءِ الشرقِ بالغربِ في تركيا، ما قلبَ روحَ هذا الفتى النجفيِّ رأساً على عقب. رأى العالمَ أوسعَ من خُنقةِ العراق، وذاقَ في كلِّ خطوةٍ طعمَ الحريّةِ والتنفّسِ في هواءٍ غريب.
غير أنّ أحداً في البيتِ لم يكن يعلمُ أنّ هذه الرحلةَ العذبةَ إلى تركيا ستكونُ مقدّمةً لواحدةٍ من أفظعِ مآسي حياتِه...
[[break]]
## ٣. كمينُ العودة؛ شِباكُ صيدِ البعثيّين
في غروبِ يومٍ مغبَرّ، وبعد أسابيعَ من التجوالِ في دروبِ سوريّةَ وتركيا، وطئَ ظاهرٌ ترابَ العراقِ بصُرّةٍ مملوءةٍ بالذكريات وذهنٍ مكتظٍّ بصورةِ العالمِ الحرّ، عائداً إلى حضنِ بيتِ بيبي فاطمة.
ولم يكن قد ابتعدَ سوى بضعةِ كيلومتراتٍ عن نقطةِ التفتيشِ الحدوديّة، حتّى اعترضَت طريقَه فجأةً سيّارتان عسكريّتان لنظامِ البعث، في سيلٍ من الغبارِ وصريرٍ ناشزٍ للمكابح. نزلَ العناصرُ البعثيّون بأحذيتِهم الثقيلةِ ووجوهِهم القاسية، وأحاطوا بالفتى ظاهر.
كانت التهمةُ الأولى بسيطةً وقاتلةً في آنٍ واحد: «مشتبهٌ بالتهرّبِ من الخدمةِ العسكريّة!»
ظنَّ البعثيّون أنّ ظاهراً شابٌّ عراقيٌّ فرَّ إلى تركيا تملّصاً من الخدمةِ في جيشِ صدّام. أخرجَ ظاهرٌ بكاملِ رزانتِه وبرودِ أعصابِه أوراقَ هويّتِه ليُثبتَ أنّه لا غبارَ عليه؛ غير أنّ التدقيقَ في الأوراقِ كشفَ لعناصرِ السلطةِ المرتابين سرّاً أشدَّ وطأة: أصلَ آلِ الموسويِّ وجذرَهم الإيرانيّ!
وما إن أدركَ العناصرُ أنّ في عروقِ هذا الفتى العلويِّ دماً إيرانيّاً، حتّى انقلبَ خطابُهم ومعاملتُهم مئةً وثمانين درجة. فبمقتضى قوانينِ نظامِ البعثِ العنصريّة، كانت الخدمةُ العسكريّةُ محرّمةً على الرعايا والتابعين الأجانب؛ فسقطَت تهمةُ «التهرّبِ من الخدمة»، لكن حلَّ محلَّها خطرٌ أشدُّ سواداً بما لا يُقاس: تهمةُ التجسّسِ والانتماءِ إلى الأجانب!
لم يعاملوه بوصفِه مواطناً، بل بوصفِه «إيرانيَّ الأصلِ مشبوهاً» سافرَ إلى تركيا وسوريّة؛ فأنزلوا به السياطَ والشتائم، وألقَوه — بلا سببٍ قانونيٍّ ولا حكمِ محكمة — في صندوقِ شاحنةٍ حديديّة، ومضَوا به إلى واحدٍ من أشدِّ سجونِ البعثِ رهبةً.
[[break]]
## ٤. ستّةُ أشهرٍ في جحيمِ الحقدِ والعنصريّة
هكذا قُذِفَ ظاهرُ الفتى، فجأةً، من حضنِ بيتِ السادةِ الدافئِ وعبقِ ياسمينِ دمشق، إلى قعرِ زنزانةٍ مظلمةٍ رطبةٍ خانقة. زنزانةٍ ابتلعَته ستّةَ أشهرٍ كاملة.
«بعد سنواتٍ طوال، في البيتِ الصغيرِ المتواضعِ الذي استأجرَه أبي ظاهرٌ في غربِ سيدني، كان قد صار رجلاً عليلاً مُتعَباً هشَّ الروح، سلبَته أثقالُ الغربةِ والتشرّدِ قامتَه وقوّتَه. في ركنِ بيتِه الخالي البسيط، حين كان يُشعلُ سيجارةً بيدَين مرتعشتَين، ويُحدّقُ في زاويةٍ ما بتنهيدةٍ عميقةٍ تهزُّ أوصالَه، كان يُحدّثُني — بصوتٍ مكسورٍ ما زال بعد عقودٍ تفوحُ منه رائحةُ الجرح — عن تلك الأشهرِ الستّةِ من كابوسِ التعذيبِ والعنصريّةِ في زنازينِ البعث...»
حدَّثني عن تعذيبٍ لا يرحم. عن ليالٍ كانت تتردّدُ فيها، في ظلمةِ الزنزانةِ المطبقة، أنّاتُ المعذَّبين وصرخاتُهم تحت السياطِ وتوسّلاتُ السجناءِ الأبرياء، في ممرّاتِ السجنِ الحجريّة، فتسلبُ النومَ من عينَيه. كان مرتزقةُ البعثِ يحملون حقداً عنصريّاً بلا حدودٍ على من كان إيرانيَّ الأصل. وكانوا يُنزلون بظاهرٍ يوميّاً — لمجرّدِ دمِه ونسبِه — أقسى صنوفِ الأذى والإذلالِ الجسديِّ والنفسيّ.
كان كلُّ يومٍ في ذلك السجنِ يمرُّ كسنةٍ كاملة. فظاهرٌ، الفتى الأنيقُ المُولَعُ بالسفر، الذي كان بالأمسِ يتمشّى في أسواقِ إسطنبول، صار اليومَ يجلسُ بجسدٍ مُثخَنٍ وثوبٍ بالٍ على أرضِ الزنزانةِ الرطبة، شاهداً على قسوةِ حكمِ صدّامٍ العارية.
[[break]]
## ٥. شرارةُ الفرارِ في قلبِ العتمة
في تلك الأشهرِ الستّةِ المشؤومةِ ذاتِها، حين كان ظاهرٌ ملقىً على أرضِ السجنِ الباردةِ يسمعُ عويلَ المعذَّبين من الزنازينِ المجاورة، جرى في روحِه ونفسِه تحوّلٌ جذريّ.
أدركَ أنّه لم يبقَ في هذا الترابِ موضعٌ للأمانةِ ولا للعزّةِ ولا لحياةِ الشرفاء. وأدركَ أنّ وجودَ أسرتِه في النجفِ قائمٌ فوق مخزنِ بارودٍ من الحقدِ والعنصريّة، قد يُشعلُ بيتَ السادةِ في أيّةِ لحظة.
وفي إحدى تلك الليالي السودِ في السجنِ بالذات، حين رفعَ يدَيه الجريحتَين داعياً إلى سقفِ الزنزانةِ الندِيّ، لمعَت في ذهنِه أوّلُ شراراتِ فكرةِ الفرارِ من العراقِ إلى إيران.
وعاهدَ نفسَه قائلاً: «إن خرجتُ من هذا الجحيمِ حيّاً، فلن أبقى في هذا البلدِ ثانيةً واحدةً بعدُ. لا بدّ أن أجدَ سبيلاً للفرارِ إلى إيران...»
وبعد ستّةِ أشهرٍ من انقطاعِ الخبر، تمكّنَت بيبي فاطمة وسِدمير — بالرشوةِ وبالتوسّلِ إلى المسؤولين — من تسلّمِ جسدِ ظاهرٍ المُنهَكِ المكسورِ من السجنِ وإعادتِه إلى البيت.
عادَ ظاهرٌ إلى البيت؛ لكنّ الفتى الذي خرجَ من السجنِ لم يعُد ذاك الإنسانَ الذي كانَه. كانت في عينَيه نظرةٌ عازمةٌ مُرّةٌ يكتنفُها السرّ. لقد صنعَ مفتاحَ الفرارِ في قلبِه، وآنَ الأوانُ الآن لتطرحَ بيبي فاطمة خطّةَ خطبةِ مرضيّة من إيران...
كانت أزقّةُ النجفِ الترابيّةُ المتعرّجةُ تحترقُ تحت شمسِ الباديةِ اللاهبة، غير أنّ في نهايةِ أحدِ دروبِها المسدودةِ الهادئة بيتاً كان ظلُّه يختلفُ عن ظلِّ الحيِّ كلِّه.
جدرانُه المبنيّةُ من الطينِ والتبنِ والمُكسوّةُ بالجصِّ الأبيض كانت ملاذَ أسرةٍ من نسلِ السادةِ الأطهار. وفي نجفِ ذلك الزمان، كان أهلُ الحيِّ المتديّنون المؤمنون يُكِنّون لآلِ الموسويِّ احتراماً مَهيباً. بيبي فاطمة — تلك المرأةُ الوقورُ التي فقدَت زوجَها الشابَّ «محسن» قبل سنوات — كانت تُدير عجلةَ هذه الحياةِ إلى جانبِ زوجِها الشفيقِ سِدمير، أخي زوجِها الراحل، الذي غدا بمروءتِه الإنسانيّةِ ظلاًّ يستظلُّ به اليتامى.
أمّا البيتُ الذي كانوا يتنفّسون فيه، فكان هديّةَ أهلِ المحلّةِ وبركةَ موائدِهم. كان المؤمنون يُقدّمون خُمسَ أموالِهم وزكاتَها بفخرٍ وخشوعٍ إلى هذه الأسرةِ العلويّة، ليكونَ بركةُ دعاءِ بيبي فاطمة ونسلِها المطهَّرِ نوراً يُضيءُ حيَّهم. وفي فناءِ البيتِ الصغير، تحت ظلِّ شجرةِ الرمّانِ الوحيدة، كانت تُبسَطُ مائدةٌ خبزُها من احترامِ الناس، وإدامُها من محبّةِ أهلِ الديار. وكانت بيبي فاطمة، في عتمةِ السَّحَرِ الممزوجةِ بأوّلِ الضوء، تُدير مغازلَها ومكّوكاتِها التقليديّة، لتصونَ — إلى جانبِ ذلك الحبِّ الشعبيِّ — كبرياءَ أسرتِها واستقلالَها.
أمّا الابنُ الأكبرُ للبيت، ظاهر، فكان فتىً مُطرِقاً متأمِّلاً عفيفَ النظر، يعملُ في صيدليّةِ الحيّ. عرفَه الجميعُ بنجابتِه وعلمِه. لكن خلفَ ذلك المُحيّا الهادئِ الرزين، كانت تنبضُ روحٌ قلِقةٌ ظامئةٌ إلى معرفةِ العالمِ الذي وراءَ الأسوار.
[[break]]
## ٢. لهفةُ الدروب؛ من باديةِ الشامِ إلى تخومِ إسطنبول
على خلافِ ما ظنَّه الجميعُ حين رأوا في ظاهرٍ فتىً قعيدَ البيت، كان عاشقاً لا حدَّ لعشقِه للسفرِ والطرقات. احترقَت شبيبتُه في ظمأٍ إلى رؤيةِ الآفاقِ البعيدة. وكلّما سنحَت له فرصةٌ وادّخرَ بضعةَ دنانير، شدَّ صُرّتَه الصغيرةَ ليلمسَ غربةَ المدنِ الأخرى وجمالَها.
كان أعظمُ ما يجذبُه من أسفارٍ في البدايةِ بلادَ الشامِ ومدينةَ دمشقَ العتيقة. كان يمضي الأيّامَ يمشي بين أسواقِ سوريّةَ المسقوفة، إلى جوارِ المزاراتِ المقدّسة، وبين عبقِ الليمونِ وياسمينِ دمشق، يجالسُ الغرباءَ ويُحاورُهم، فيمدُّ أفقَ فكرِه إلى ما وراءَ أسوارِ النجف.
لكنّ شهيّتَه لاكتشافِ الدنيا لم تقف عند سوريّة؛ فكانت خطوتُه التاليةَ رحلةً إلى قلبِ الإمبراطوريّةِ العتيقة: تركيا. مضى ظاهرٌ إلى الدروبِ الشماليّة. وكان في مشاهدةِ عمارةِ إسطنبول، والحقولِ الخضراءِ الممتدّة، ودراما التقاءِ الشرقِ بالغربِ في تركيا، ما قلبَ روحَ هذا الفتى النجفيِّ رأساً على عقب. رأى العالمَ أوسعَ من خُنقةِ العراق، وذاقَ في كلِّ خطوةٍ طعمَ الحريّةِ والتنفّسِ في هواءٍ غريب.
غير أنّ أحداً في البيتِ لم يكن يعلمُ أنّ هذه الرحلةَ العذبةَ إلى تركيا ستكونُ مقدّمةً لواحدةٍ من أفظعِ مآسي حياتِه...
[[break]]
## ٣. كمينُ العودة؛ شِباكُ صيدِ البعثيّين
في غروبِ يومٍ مغبَرّ، وبعد أسابيعَ من التجوالِ في دروبِ سوريّةَ وتركيا، وطئَ ظاهرٌ ترابَ العراقِ بصُرّةٍ مملوءةٍ بالذكريات وذهنٍ مكتظٍّ بصورةِ العالمِ الحرّ، عائداً إلى حضنِ بيتِ بيبي فاطمة.
ولم يكن قد ابتعدَ سوى بضعةِ كيلومتراتٍ عن نقطةِ التفتيشِ الحدوديّة، حتّى اعترضَت طريقَه فجأةً سيّارتان عسكريّتان لنظامِ البعث، في سيلٍ من الغبارِ وصريرٍ ناشزٍ للمكابح. نزلَ العناصرُ البعثيّون بأحذيتِهم الثقيلةِ ووجوهِهم القاسية، وأحاطوا بالفتى ظاهر.
كانت التهمةُ الأولى بسيطةً وقاتلةً في آنٍ واحد: «مشتبهٌ بالتهرّبِ من الخدمةِ العسكريّة!»
ظنَّ البعثيّون أنّ ظاهراً شابٌّ عراقيٌّ فرَّ إلى تركيا تملّصاً من الخدمةِ في جيشِ صدّام. أخرجَ ظاهرٌ بكاملِ رزانتِه وبرودِ أعصابِه أوراقَ هويّتِه ليُثبتَ أنّه لا غبارَ عليه؛ غير أنّ التدقيقَ في الأوراقِ كشفَ لعناصرِ السلطةِ المرتابين سرّاً أشدَّ وطأة: أصلَ آلِ الموسويِّ وجذرَهم الإيرانيّ!
وما إن أدركَ العناصرُ أنّ في عروقِ هذا الفتى العلويِّ دماً إيرانيّاً، حتّى انقلبَ خطابُهم ومعاملتُهم مئةً وثمانين درجة. فبمقتضى قوانينِ نظامِ البعثِ العنصريّة، كانت الخدمةُ العسكريّةُ محرّمةً على الرعايا والتابعين الأجانب؛ فسقطَت تهمةُ «التهرّبِ من الخدمة»، لكن حلَّ محلَّها خطرٌ أشدُّ سواداً بما لا يُقاس: تهمةُ التجسّسِ والانتماءِ إلى الأجانب!
لم يعاملوه بوصفِه مواطناً، بل بوصفِه «إيرانيَّ الأصلِ مشبوهاً» سافرَ إلى تركيا وسوريّة؛ فأنزلوا به السياطَ والشتائم، وألقَوه — بلا سببٍ قانونيٍّ ولا حكمِ محكمة — في صندوقِ شاحنةٍ حديديّة، ومضَوا به إلى واحدٍ من أشدِّ سجونِ البعثِ رهبةً.
[[break]]
## ٤. ستّةُ أشهرٍ في جحيمِ الحقدِ والعنصريّة
هكذا قُذِفَ ظاهرُ الفتى، فجأةً، من حضنِ بيتِ السادةِ الدافئِ وعبقِ ياسمينِ دمشق، إلى قعرِ زنزانةٍ مظلمةٍ رطبةٍ خانقة. زنزانةٍ ابتلعَته ستّةَ أشهرٍ كاملة.
«بعد سنواتٍ طوال، في البيتِ الصغيرِ المتواضعِ الذي استأجرَه أبي ظاهرٌ في غربِ سيدني، كان قد صار رجلاً عليلاً مُتعَباً هشَّ الروح، سلبَته أثقالُ الغربةِ والتشرّدِ قامتَه وقوّتَه. في ركنِ بيتِه الخالي البسيط، حين كان يُشعلُ سيجارةً بيدَين مرتعشتَين، ويُحدّقُ في زاويةٍ ما بتنهيدةٍ عميقةٍ تهزُّ أوصالَه، كان يُحدّثُني — بصوتٍ مكسورٍ ما زال بعد عقودٍ تفوحُ منه رائحةُ الجرح — عن تلك الأشهرِ الستّةِ من كابوسِ التعذيبِ والعنصريّةِ في زنازينِ البعث...»
حدَّثني عن تعذيبٍ لا يرحم. عن ليالٍ كانت تتردّدُ فيها، في ظلمةِ الزنزانةِ المطبقة، أنّاتُ المعذَّبين وصرخاتُهم تحت السياطِ وتوسّلاتُ السجناءِ الأبرياء، في ممرّاتِ السجنِ الحجريّة، فتسلبُ النومَ من عينَيه. كان مرتزقةُ البعثِ يحملون حقداً عنصريّاً بلا حدودٍ على من كان إيرانيَّ الأصل. وكانوا يُنزلون بظاهرٍ يوميّاً — لمجرّدِ دمِه ونسبِه — أقسى صنوفِ الأذى والإذلالِ الجسديِّ والنفسيّ.
كان كلُّ يومٍ في ذلك السجنِ يمرُّ كسنةٍ كاملة. فظاهرٌ، الفتى الأنيقُ المُولَعُ بالسفر، الذي كان بالأمسِ يتمشّى في أسواقِ إسطنبول، صار اليومَ يجلسُ بجسدٍ مُثخَنٍ وثوبٍ بالٍ على أرضِ الزنزانةِ الرطبة، شاهداً على قسوةِ حكمِ صدّامٍ العارية.
[[break]]
## ٥. شرارةُ الفرارِ في قلبِ العتمة
في تلك الأشهرِ الستّةِ المشؤومةِ ذاتِها، حين كان ظاهرٌ ملقىً على أرضِ السجنِ الباردةِ يسمعُ عويلَ المعذَّبين من الزنازينِ المجاورة، جرى في روحِه ونفسِه تحوّلٌ جذريّ.
أدركَ أنّه لم يبقَ في هذا الترابِ موضعٌ للأمانةِ ولا للعزّةِ ولا لحياةِ الشرفاء. وأدركَ أنّ وجودَ أسرتِه في النجفِ قائمٌ فوق مخزنِ بارودٍ من الحقدِ والعنصريّة، قد يُشعلُ بيتَ السادةِ في أيّةِ لحظة.
وفي إحدى تلك الليالي السودِ في السجنِ بالذات، حين رفعَ يدَيه الجريحتَين داعياً إلى سقفِ الزنزانةِ الندِيّ، لمعَت في ذهنِه أوّلُ شراراتِ فكرةِ الفرارِ من العراقِ إلى إيران.
وعاهدَ نفسَه قائلاً: «إن خرجتُ من هذا الجحيمِ حيّاً، فلن أبقى في هذا البلدِ ثانيةً واحدةً بعدُ. لا بدّ أن أجدَ سبيلاً للفرارِ إلى إيران...»
وبعد ستّةِ أشهرٍ من انقطاعِ الخبر، تمكّنَت بيبي فاطمة وسِدمير — بالرشوةِ وبالتوسّلِ إلى المسؤولين — من تسلّمِ جسدِ ظاهرٍ المُنهَكِ المكسورِ من السجنِ وإعادتِه إلى البيت.
عادَ ظاهرٌ إلى البيت؛ لكنّ الفتى الذي خرجَ من السجنِ لم يعُد ذاك الإنسانَ الذي كانَه. كانت في عينَيه نظرةٌ عازمةٌ مُرّةٌ يكتنفُها السرّ. لقد صنعَ مفتاحَ الفرارِ في قلبِه، وآنَ الأوانُ الآن لتطرحَ بيبي فاطمة خطّةَ خطبةِ مرضيّة من إيران...
الحكاية تتواصل…
كل مقطع في إذاعة MIBL يحمل هذا الصوت خطوةً أبعد.
المحتويات
يُعزف الآن
انقر لتشغيل الصوت
هل تستمتع بالحكاية؟
وصلت إلى نهاية المعاينة المجانية. ادعم الكاتب بمبلغ A$3.00 ليُفتح لك بقية الكتاب — ويصل المبلغ إليه مباشرةً.
دفع آمن — Apple Pay أو Google Pay أو البطاقة.
لقد أنهيت للتوّ فصلًا.
جلس أحدهم وكتب هذا. إن كان يستحق وقتك، فقُل له — والمبلغ يصل إليه مباشرةً.
Apple Pay أو Google Pay أو البطاقة — بنقرة واحدة.